آينشتاين و سر ذكاؤه الرهيب


إن مخ الإنسان لغز كبير إستحق أن يحتشد العلماء من أجل فك طلاسمه و هذا المخ يزن حوالي 1400 جرام و يتكون من نوعين من الخلايا هما الخلايا العصبية و يبلغ عددها في المخ نحو مائة مليار خلية و خلايا تعرف بخلايا الغراء العصبي تقوم بعمل الدعامة للخلايا العصبية حيث تملأ الفراغات بين أجسام الخلايا العصبية و تشابكاتها فتؤدي بذلك إلى تماسك مادة المخ , و لذلك فهي أكثر في العدد بنحو عشر مرات عن الخلايا العصبية الأساسية , بالإضافة إلى أداء وظائف أخرى مهمة غير تقوية و تماسك مادة المخ.

تختلف الخلايا العصبية في الشكل و الحجم و لكنها تشترك في سمة واحدة و هي وجود زوائد كثيرة تتفرع منها تسمى ( التفرعات الشجرية ) بالإضافة لخروج زائدة واحدة طويلة تسمى ( المحور ) تنتهي بمجموعة أخرى من التفرعات تعرف ( بالتفرعات الإنتهائية ) .

لا تتجاور الخلايا العصبية بأجسامها و لكن يتم الإتصال بين كل خلية عصبية و أخرى بأن ترتبط ( التفرعات الإنتهائية ) لبعض الخلايا العصبية ( بتفرعات شجرية ) لخلايا أخرى مما يشكل شبكة كثيرة التعقيد و الإحكام , و تسمى أماكن إرتباط الخلايا العصبية ببعضها الآخر بإسم ( التشابكات العصبية ) .
و عبر الكثير من التشابكات العصبية قد يصل عددها من ( عدة آلاف و حتى نصف مليون تشابك ) يمكن للخلية العصبية الإتصال بالخلايا الأخرى .

إن الخلايا العصبية المخية هي المحرك الرئيسي للجهاز العصبي فهي التي تستقبل الإشارات و الرسائل العصبية سواء التي تأتي مباشرة من أعضاء الحس أو التي ترد من خلايا عصبية أخرى ثم تعالجها سواء بالتصنيف لنوع الإشارة و إعادة إرسال الإشارة إلى وجهات أخرى أو تترجم الإشارة العصبية إلى سلوك و حركة .

أسلوب عمل المخ الطبيعي
لقد وجد العلماء أن الخلايا العصبية المخية لها قدرات خاصة و أخرى غامضة فخصائصها الفسيولوجية و أساليب إتصالها و أيضاً إفرازاتها الكيميائية هي التي يتأسس عليها تفكير البشر و غرائزهم و تصرفاتهم و هي كذلك تشكل العواطف بما فيها من جرأة و خوف و ألم و بهجة .

ما الذي يحدث داخل المخ بالضبط ؟
بالرغم من أن هذا الجهاز الموجود في جمجمتك و الذي يشتمل الجرام الواحد منه على أكثر من سبعين مليون خلية عصبية هو جهاز لا يتحرك أساساً مثل قلبك أو رئتيك أو عضلاتك إلا أنه يستهلك 25% من الأكسجين الذي يجري في دمك.

و من خلال تقنيات حديثة في علوم الأعصاب بدأ العلماء يفهموا بالتحديد ما الذي يحدث داخل هذا العضو المعقد بأفضل شكل, حيث تشكل الخلايا العصبية المخية بإرتباطاتها المعقدة نموذجاً للدوائر الكهربائية التي ما أن يمر فيها تياراً كهربائياً حتى تدب فيها الحياة .

فعندما يسطع ضوء مصباح في عينيك فإن هذا الضوء القادم منه يثير خلايا شبكية عينيك و التي تتولد بسطحها شحنات كهربائية تسري من خلال العصب البصري إلى القشرة المخية فتسبب في إثارة الخلايا العصبية المسئولة عن الإبصار و التي تستجيب لهذه الإشارة و تعالجها فتجعلك تعرف أن ما سطع في وجهك ما هو إلا ضوء مصباح.

تقنيات فهم المخ البشري
في السابق كان تشريح أدمغة الذين فارقوا الحياة هو السبيل الوحيد لمعرفة أي معلومات عن تركيب مخ الإنسان , لكن دراسة وظائف هذا المخ لم يكن متوفراً إلا من خلال التجارب على أمخاخ الحيوانات أو من خلال فحص أدمغة و أمخاخ المصابين بتلف في جزء معين , فإن كان هذا التلف يصاحبه – مثلاً – فقدان القدرة على السمع , فإن المنطق يحتم إفتراض أن هذا الجزء من المخ هو المسئول عن السمع.

و برغم قسوة هذه الحالات إلا أن لها الفضل في إكتشاف تقسيم العمل بين مناطق المخ المتنوعة , و قد حدد الخبراء أماكن في المخ مسئولة عن السمع و الشم و الإبصار و القدرة على الكلام و كذلك المناطق المسئولة عن الخوف عن الخوف و اللذة و غيرها.

و لكن كل هذا لم يصل بالعلماء إلى الفهم الكامل لوظائف المخ البشري , إلى أن توفرت للخبراء أساليب و أجهزة متقدمة ساعدهم على فحص المخ خلال حياة صاحبه و دون الحاجة إلى مبضع الجراح.

فمن خلال بضعة مجسات يثبتها العلماء على دماغ الإنسان يصبح بإمكانهم إلتقاط الكثير مما يدور داخل المخ , أو من خلال الأشعة المقطعية و هي موجات معينة يتم تسليطها على المخ فتتفحص في كل جزء بداخل المخ و حتى أعماقه لكي ترسم صورة مفصلة له, و بهذا يمكن دراسة المخ حتى أدق الأجزاء فيه و معرفة ما إذا كان هناك تلف أو ورم أو ضمور في أي منطقة منه.

و من التقنيات الهائلة التي أنتجها العلم الحديث ما يعرف بالمسح بالإنبعاث البوزتروني و التصوير بالرنين المغناطيسي , و هاتين التقنيتين ساهمتا في تحسين فهم تركيب الدماغ و أتاحت القدرة على النظر أكثر إلى داخل المخ مباشرة و تسجيل نشاطات أجزاءه المختلفة أثناء إجتياز الإنسان تجربة معينة أو أثناء قيامه بسلوك محدد.

فما يحدث لخلايا شبكية العين مثلاً عندما ننظر إلى لوحة جميلة أو زهرة يانعة لا يختلف كثيراً عن الحادث لها إذا وقع النظر على نمر شرس , غير أن طريقة معالجة المخ تختلف بالتأكيد مع كل حالة .

و عن طريق الأساليب الحديثة المذكورة سابقاً ظهر للباحثين أنهم عندما يعرضوا على الإنسان المفحوص صورة لإمرأة جميلة مثلاً فإن المنطقة المسئولة عن الإبصار في مخه تنشط على نحو مختلف عما إذا عرضوا عليه صورة لطائر و هذا بدوره يختلف عما إذا عرضوا عليه رسماً لكرسي و هكذا.

و بهذا لا تكف مختبرات و معامل أبحاث المخ و الأعصاب في أرجاء العالم عن التسابق لهم أنماط النشاط الحادثة في المخ عندما يسمع الإنسان أغنية يحبها أو عندما يفكر بحل مسألة أو لغز محير أو عندما تأتي لذاكرته ذكرى سيئة أعادت إليه معايشة خبرة مؤلمة سابقة أو ماذا يحدث للمخ عندما يسمع الإنسان نكتة ظريفة أو إهانة قاسية .

من كل السابق يأمل الخبراء في أن المزيد من الفحص بالأجهزة للمخ و التجريب سوف يسهل معرفة أنماط نشاط المخ , الأمر الذي سوف يفسر ماهية التفكير و السلوك إزاء ما يتم رؤيته أو سمعه أو شمه أو لمسه أو تذوقه و كيفية التعلم و أسلوب التذكر.

أسرار مخ آينشتاين
تم تكليف عالم الباثولوجيا الأمريكي توماس هارفي بفحص مخ آينشتاين و ذلك بعد أن وافقت عائلة آينشتاين على التبرع بمخه إثر وفاته عامه 1955 , و قد سارع د. هارفي للحصول على مخ آينشتاين بعد سبع ساعات على الوفاة و حفظه بطرق علمية خاصة تمهيداً لدراسته فيما بعد.

لكن د. هارفي و بالوسائل التكنولوجية المعروفة في زمنه لم يستدل على أي شيء غريب و غير طبيعي في أنسجة مخ آينشتاين و بذلك توقفت عملية البحث في أمخاخ العباقرة لفترة من الزمن لأنها لا تفضي إلى أي شيء ملموس.

لكن التقدم في أبحاث المخ لم يتوقف , و كذلك لم تتوقف عملية إنتاج تقنيات حديثة إن تم إستخدامها في فحص أمخاخ العباقرة لظهرت الكثير من الأشياء , لذلك و بعد مرور 25 سنة من وفاة آينشتاين تم في جامعة كاليفورنيا ( بيركلي ) دراسة أربعة عينات من مخ آينشتاين كل واحدة بحجم مكعب السكر الصغير , و هذه العينات تم أخذها من مناطق محددة في مخ آينشتاين , و تم مقارنة هذه القطع مع قطع مشابهة من أمخاخ رجال ماتوا في أعمار مقاربة لعمر آينشتاين عند وفاته.

و عند الفحص و المقارنة وجد العلماء أن نسب الخلايا المكونة لنسيج مخ آينشتاين تختلف عن نسبتها في الأمخاخ العادية الأخرى , و خصوصاً في منطقتين بالمخ تتسمان بالمسئولية عن التحليل و التخطيط و فهم المنطق الرياضياتي و هي الإمكانيات التي ميزت نبوغ آينشتاين العلمي.

و بعد ذلك بعشرين عاماً تم إعادة فحص أجزاء أخرى من مخ آينشتاين للمرة الثالثة في جامعة ماكماستر بكندا , و ظهر لفريق البحث أن مخ آينشتاين يخلو من أخدود معروف و موجود بشكل طبيعي في الأمخاخ العادية , بالإضافة إلى أن مساحة هذه المنطقة ( الخالية من الأخدود ) أعرض من الطبيعي بمقدار 15 % في مخ آينشتاين .

و قد إفترض العلماء أن غياب هذا الأخدود في مخ آينشتاين يمكن أن يسبب سرعة توصيل البيانات العصبية بين المنطقتين الواقعتين على جانبي الأخدود في مخ آينشتاين.
زيادة على ذلك فقد ظهر للباحثين إرتباط فلقتي مخ آينشتاين ببعضهما بشكل غير طبيعي , حيث ظهر أن الوصلات العصبية بين فلقتي مخ آينشتاين و التي تعد بالملايين مرتبطة بقوة مما يحسن التواصل بين الفلقتين.

كذلك لاحظ العلماء زيادة في حجم التشابك العصبي بين الخلايا العصبية المخية و زيادة الحجم يعني المزيد من السرعة و سهولة نقل الرسائل العصبية بين خلايا المخ , و كل هذا يساعد آينشتاين في إستغلال كافة إمكانياته الذهنية و بمنتهى الطاقة في حل المسائل المعقدة و المعضلات الصعبة و التصور و الإبداع.

لكن كيف حدثت كل هذه الأمور التي أدت لتحسن مخ آينشتاين ؟
الإجابة تكمن في كلمة واحدة ( التدريب ! ) , فآينشتاين قام بتدريب مخه كما يقوم لاعبي كمال الأجسام بتدريب عضلاتهم , لكن النتيجة سوف تظهر كإبداع علمي إستثنائي من خلال نظريات أبهرت العالم لفترات طويلة , أما أثر هذا التدريب الذي تم لفترات طويلة تخطت بضع عقود من الزمن فهذا ما ظهر للعلماء عندما فحصوا مخ آينشتاين.

و تستطيع أنت أيضاً أن تدرب عقلك إن عرفت بعض الأساليب التي إستخدمها آينشتاين لحل المشكلات و المعضلات العلمية التي كانت تعترضه.
و طبعاً لن يتحسن عقلك في مدة زمنية قصيرة , ربما سوف تحتاج من بضعة شهور و حتى سنة لكي تحوز فيها الإمكانيات الذهنية التي تجعلك قادراً على حل المشكلات و إجتياز أي عقبة تصادفك في الحياة .

أسلوب آينشتاين في حل المعضلات

1- الإحاطة بالمشكلة من كافة الجوانب
معنى الإحاطة هنا هو فهم ظواهر المشكلة و أسبابها و أهم العوامل التي يمكن أن تساعد في رفع أو خفض حدة المشكلة , كل ذلك ينبغي فهمه و إستيعابه قبل مواجهة المشكلة و العمل على حلها.

و قد يحتاج آينشتاين إلى المشورة و مناقشة غيره من الباحثين و الخبراء في بعض الأمور المتعلقة بالمشكلة محل الفحص , و أيضاً قد يحتاج آينشتاين لفهم بعض النظريات و القوانين التي لها تأثير أو إضافة أو تمس جانب من جوانب المشكلة المطلوب إيجاد حل لها أو فهم لطريقتها في التراكم.

2- التحليل
لكي يغوص آينشتاين بداخل أعماق المشكلة عليه أن يفصل بين عناصر و مفردات المشكلة و يعي أثر كل عنصر و مدى إرتباطه بالعناصر الأخرى , و بهذا لا تصبح معالجة آينشتاين للمشكلة من الخارج فقط بشكل سطحي.
لكن هذا لا يعني بقاء آينشتاين محصوراً في قمقم السؤال أو المعضلة , عليه أن يخرج خارج المشكلة نفسياً و عقلياً و زمنياً و مكانياً و بهذا يتجاوز سجن المعضلة أو المشكلة و يبدأ عقله في إفراز الحلول الإبداعية.

3- النوم لعدد ساعات أعلى من المتوسط
الذين يعرفون آينشتاين يقولون أنه كان ينام عشر ساعات يومياً , فهل كان النوم طريقة من طرق تحسين و تطوير المخ و بالتالي الذكاء عند آينشتاين ؟ ربما تكون الإجابة الحقيقية هي ( نعم ) و ذلك لعدة أسباب:
فأثناء النوم يمر العقل بدورات يعمل فيها بشكل يفوق ما يفعله خلال يقظة الإنسان , و في هذه الدورات يقوم العقل الباطن بتحليل المعلومات و الأحداث التي عاينها خلال اليوم السابق و كان لها تأثير في وعي الإنسان صاحب هذا المخ , و خلال هذه العملية يقوم العقل الباطن بإستبعاد المعلومات الغير ضرورية و التي ليس لها قيمة بالنسبة للإنسان , و من خلال هذا التفريغ يصبح الإنسان في اليوم التالي أكثر وعياً و تركيزاً و قدرة على الأداء.

أيضاً النوم يساعد على حفر الذكريات و تخزين المعلومات الضرورية في المخ , و لذلك كلما نمت لفترات أطول كلما تمكنت من تخزين المعلومات و الأحداث التي مرت عليك بشكل أكثر رسوخاً , و كذلك كلما تمكنت من الإحتفاظ بهذه المعلومات المحفوظة لفترات أطول.

و لذلك لكي تتمكن من إستيعاب المعلومات و المشاهد المهمة المطلوب إكتسابها على مدار اليوم في عقلك فعليك بالنوم عدد ساعات أكثر من المعدل الطبيعي و هو ( 7-8 ساعات ) , ربما تحتاج لنوم القيلولة لكي تحسن من كفاءة مخك.

4- التفكير العميق في حل مبدع ( واحد )
أسئلة كثيرة تراود الإنسان منها الأسئلة التي تجبره على إستعادة ذكريات و معلومات تم تخزينها سابقاً , و تحث الأسئلة الخلايا العصبية المخية على القيام بالكثير من الإتصالات العصبية بينها و بين خلايا عصبية أخرى لمساعدة الشخص على التذكر و تشكيل الصورة السابقة المخزنة بالذهن.

و يسهل إسترجاع المعلومات السابقة مهما كانت قديمة إذا كانت هذه المعلومات محفوظة بكفاءة و هذا يعني كبر حجم الوصلات العصبية المسئولة عن هذه المعلومات و زيادة عددها في المخ و كذلك سهولة مرور التيارات العصبية بين الخلايا العصبية المخية التي تحتفظ بهذه المعلومات و الذكريات.

و لأن آينشتاين يحتاج كل خلايا مخه و بكامل طاقتها في حل مسألة صعبة أو إكتشاف فكرة مبتكرة , لذلك فمن خلال التفكير العميق و الذي قد يستغرق أياماً طويلة و حتى شهور إلى أن يظهر الحل أو الفكرة المبتكرة التي تحل المعضلة , و التفكير العميق في حلول إبداعية وجد علماء الأعصاب أنه يزيد من كفاءة الخلايا العصبية المخية المشاركة في إيجاد الحل أو تشكيل الإبتكار.

5- التجريب
مواجهة المشكلة حتى لو بأسلوب غير صحيح هو الخطوة الأولى نحو حل هذه المشكلة , و هنا على آينشتاين محاولة تجريب الفكرة المبتكرة التي طرأت على ذهنه , لكن لا يشترط أن يتمكن الحل المبتكر من علاج المشكلة و إنهاؤها بشكل كامل , فقد يتمكن الحل أو الفكرة من علاج بعض جوانب المشكلة أو الرد بشكل أقرب إلى المعقول على التساؤلات المطروحة , فأحياناً يصبح تثبيت المعضلة هو أفضل شيء يمكن إنجازه , و سوف تحتاج المشكلة إلى المزيد من الحلول التي سوف يكون بإمكانها إنهاء الأزمة بشكل كامل.

في الختام ننصح من يريد إمتلاك عقلاً فريداً ذو ذكاء حاد أن يجتهد كثيراً في عمليات الدراسة و البحث و التأمل و التفكير , إضافة إلى زيادة معدل ساعات النوم لتصل حتى عشر ساعات يومياً , فهذا سوف يحفز عقلك الباطن ليعمل ( كمساعد ) في تشكيل الإبداعات و إستخراج الإكتشافات.


Comments

Popular posts from this blog

كيف تستخدم الألوان في التعلم و اللإستذكار

مرض عمى تعرف الوجوه و كيفية علاجه