مرض عمى تعرف الوجوه و كيفية علاجه
ظهرت بوادر
اللامبالاة اللامتناهية بعد أن دب خلاف سخيف بين صبحي و خطيبته و التي هي كذلك
زميلته في العمل , و بعدها ظل طوال العام يتجاهل حتى وجودها , و عندما سأله صديقه
عن سر هذه القطيعة الغريبة , قال صبحي : " عن نفسي لم أشاهدها مرة أخرى ,
ربما مرت في خيالي عدة مرات لكني حتى الآن لم أقابلها ! " .
و برغم عدم تصديق
صديقه لهذه المزاعم حيث تتواجد خطيبة صبحي في العمل بصفة مستمرة , لكن يصر صبحي
على عدم مقابلتها أو رؤيتها مرة أخرى , بل و يقول أنه بعد مرور عدة أشهر على هذا
الخلاف السخيف لا يستطيع أن يتذكر ما هو شكل خطيبته السابقة !
و هذه المشكلة كان يواجهها
صبحي طوال شبابه حيث يمر بجواره أشخاص يحيونه و يقولوا له ( أهلاً و مرحباً ) لكنه
يندهش ! فهو لا يتذكر هؤلاء الناس و لا المكان الذي رآهم فيه من قبل , و هذا يصيبه
دائماً بالخجل , فهذا الموقف يتكرر بحذافيره مع الأشخاص الذين قابلهم عدة مرات من
قبل , و كثيراً ما تكون المواقف الإجتماعية محرجة بالنسبة له لعدم قدرته على تذكر
وجوه الآخرين , مما جعله في النهاية خجولاً و منسحباً و لديه درجة عالية من القلق
في أي مناسبة إجتماعية يضطر لحضورها.
بل حتى الفنانين و
المشاهير الذين كان في السابق يستطيع معرفة إسم أي شخص فيهم من مجرد التطلع إلى
وجهه في التليفزيون أو على شاشة السينما لكنه الآن من الممكن أن يمر بأحد ملصقات
هؤلاء المشاهير أو صورهم بدون حتى أن يقدر على تذكر أنه رآى ووجهه من قبل.
لم تصبح المسألة
واضحة أمامه إلا منذ عدة سنين عندما تم تشخيص مشكلته من قبل طبيب متخصص على أنه
يعاني من مرض عمى تعرف الوجوه أو ( Prosopagnosia ) , و هي حالة يتأزم
فيها المريض في قدرته على التعرف على وجوه الناس.
و لا يعني هذا أنه يعاني من إضطراب خطير في المخ أو أنه مصاب بمرض نادر ,
فهذه الحالة شائعة لدرجة أنك إما أن تعاني منها ( بدرجة ضئيلة ) أو تعرف شخصاً
مصاباً بها بدرجة أكبر.
و ربما يستغرب الكثير من الأشخاص المسألة حتى يتم تشخيص حالتهم طبياً و
التأكد من الإصابة بمرض عمى تعرف الوجوه , لكن خلاف ذلك فمعظم المصابين بهذا المرض
لا يعرفون أساساً بمشكلة أو مرض عمى التعرف على الوجوه.
و قد تم التعرف على أول حالة عمى تعرف الوجوه سنة 1947 عندما قام المتخصص
الألماني في علم الأعصاب ( يواكيم بودامر ) ( Bodamer ) بتشخيص حالة شاب عمره 24 عام , أصيب هذا الشاب
بطلق ناري في رأسه و لكن الإصابة لم تكن قاتلة , و برغم تعافيه من الإصابة إلا أنه
فقد القدرة على التعرف على وجوه زملائه و أقاربه , بل و حتى فشل في التعرف على
وجهه الذي يطل من المرآة !
و منذ هذا العام و حتى سنوات قليلة لم يتم تشخيص الكثير من حالات عمى
التعرف على الوجوه و لم يتم وصفها في الكتب الطبية , فهذه الحالات كلها ناتجة عن
إصابة أو ضرر في المخ , و كل هذه الحالات إعتبرت نادرة جداً لذلك .
لكن في السنوات الأخيرة تعرف الأطباء على شكل آخر من عمى التعرف على الوجوه
لا ينتج من إصابة المخ و هو ( عمى تعرف الوجوه النمائي ) و الذي يكون ملازماً
للمصاب منذ الولادة و إما يتطور و ينمو خلال المراحل المتتالية من عمر الإنسان
المصاب بمرض عمى تعرف الوجوه.
و ذهبت الأبحاث إلى مدى أبعد حيث أكدت أن عمى تعرف الوجوه النمائي شائع
للغاية حيث دلت الإحصائيات التي تم إجراؤها في جامعة هارفارد أن نحو 2% من الناس
لديهم درجة معينة من مرض عمى التعرف على الوجوه ( و بالمقارنة مع أمراض أخرى نجد
أن 2,5 % من الناس مصابون بمرض عمى ألوان , 5% مصابون بخلل القراءة ) .
و هذه النتائج أذهلت المجتمع الطبي فضلاً عن أصحاب حالات عمى التعرف على
الوجوه , فإذا لم تفهم معنى القدرة على التعرف على الوجوه فأنت لا تعي أنه من
المفروض أن تكون قادراً على ذلك.
و لعل هذا يبين عدم وضوح مرض عمى تعرف الوجوه النمائي حتى وقت قريب ,
فالمسألة مشابهة لسؤال شخص يعاني من مرض عمى الألوان ( ماذا يعني ألا ترى الألوان
) ؟!
و قد أظهر إكتشاف شيوع عمى تعرف الوجوه ( بأكثر مما كان يظنه الباحثين ) أن
هناك حاجة ملحة بين علماء النفس الإدراكيين و علماء الأعصاب المتحمسين إلى تسوية
الجدل حول كيفية تعرف المخ البشري على وجوه الناس.
و الدراسات المبدئية المرتكزة على تصوير مخ الأشخاص الغير مصابين بعمى تعرف
الوجوه تشير إلى أن هناك مناطق ( عديدة ) في المخ تستجيب و تتفاعل بشكل إنتقائي
عند رؤية وجوه الناس.
و من بين هذه المناطق وجد الباحثون و علماء الأعصاب أن منطقة التلفيف
المغزلي ( fusiformgyrus ) تضيء في صور الأشعة
إستجابة لظهور منظر الوجه الإنساني , و كذلك إلى الأشكال الموحية بصور الوجه.
لكن التلفيف المغزلي يتعرف على الأجسام الأخرى و يستجيب لها و لو أن ذلك
يتم بدرجة أقل , مما يشكك بفكرة أنه يستجيب للوجوه الإنسانية تحديداً .
لذلك بدأ الباحثون في الإعتقاد بأن التلفيف المغزلي لا يقوم بمفرده بالتعرف
على الوجوه , فبعد فحص حالات بعض المصابين بأضرار في المخ ظهرت منطقة أخرى مهمة في
موضوع التعرف على الوجوه و هي المنطقة الوجهية القذالية ( Occipital
face area ) , و على ما يبدو أنها كذلك
ضرورية في عملية التعرف على الوجوه , حيث يؤدي أي ضرر بالتلفيف المغزلي أو المنطقة
الوجهية القذالية إلى مشكلات في التعرف على الوجوه .
لكن كل هذا لم يحسم
الخلاف الدائر حول كيفية تعرف المخ على الوجوه الإنسانية , هل يمتلك المخ البشري
مناطق مخصصة لهذه المهمة أم أن عملية التعرف على الوجوه تقوم بها جميع مناطق المخ
و خلاياه , و هذه المناطق لا تتعرف على الوجوه فقط بل تتعرف على أشكال و مناظر
الأجسام الأخرى سواء أكانت أنواع و أشكال بعض الحيوانات الأليفة أو الخطرة أو
أشكال و أنواع السيارات.
و هذا بدوره يمثل
جزءاً من نقاش أوسع حول كيفية معالجة المخ لأنواع المعلومات البصرية , فهل هو
يمتلك أداة منفصلة لمعالجة كل مهمة أم أنه أقرب ما يكون إلى معالج عام للمعلومات
؟!
و مع تشخيص المزيد من
حالات عمى تعرف الوجوه كل عام و مع المزيد من الأوراق العلمية التي تنشر حول أمخاخ
المصابين بفقد القدرة على التعرف على الوجوه قد يمكننا تحديد ما إذا كانت هناك
مناطق متخصصة بالتعرف على الوجوه في المخ الإنساني أم أنه كجهاز متكامل لديه
القدرة العامة علي التعرف على الوجوه و عندما يؤدي البحث العلمي لحالة عمى تعرف
الوجوه إلى توضيح لماذا لا يستطيع بعض الناس التعرف على أصحابهم و أقاربهم ,
يمكننا الوصول إلى الإجابة الشافية في مسألة كيفية معالجة مرض ( عمى التعرف على
الوجوه ) .
علاج مرض
عمى التعرف على الوجوه
الأخبار السيئة أنه
لا توجد علاجات دوائية أو جراحات أو أي طريقة ناجعة للعلاج غير قيام المصابين بهذا
المرض بتطوير طريقتهم الخاصة للتعرف على الوجوه , فالمخ لديه مرونة شديدة على
تعديل وضعه و دفع مناطق أخرى فيه للقيام بأعمال أو مهام ليس من المفروض من هذه
المنطقة المخية أن تقوم بها.
و لذلك يحتاج
المصابين بعمى تعرف الوجوه إلى أسلوب تدريبي يقوموا بعمله بإستمرار لدفع أمخاخهم
لتمييز و تذكر الوجوه , و لقد نجح الباحثون في جامعة كاليفورنيا في صناعة برنامج
تدريبي للمصابين بعمى تعرف الوجوه النمائي الحاد يساعدهم في التعرف على وجوه
أصدقائهم و زملائهم و أقاربهم و الأشخاص المهمين في حياتهم .
و لم يجد المرضى أي
صعوبة في التعرف على الوجوه المختلفة في الإختبارات المعملية و بالتدريب المستمر
أصبح سهلاً على المرضى أن يتعرفوا على وجوه الناس في الحياة الطبيعية , و قد أبلى
المصابين بعمى تعرف الوجوه بلاءاً طيباً في إجتياز مشكلتهم تلك و أصبح بوسعهم التعرف
على وجوه الناس بشكل جيد , ما لم يغير الشخص ( المألوف ) لديهم شكله بدرجة كبيرة
من خلال تغيير تصفيفه شعره و تغيير نوع ملابسه أيضاً .
و الفكرة في البرنامج
التدريبي لمرض عمى تعرف الوجوه هو إستخدام طرق و دلائل أخرى تساعد في تذكر الشخص و
وجهه فيما بعد , و هذه الدلائل مثل الشعر و علامات مميزة في الوجه و الملابس ,
بالإضافة إلى الصوت , و قد يمكن إضافة الرائحة إذا كان لهذا الشخص رائحة مميزة .
فمثلاً إذا قابل أحد
مرضى عمى تعرف الوجوه شخصاً لا يعرفه , هنا لا يكتفي بمصافحته بل يبدأ في تخزين
المعلومات الشكلية لهذا الشخص في ذاكرته , فيبدأ بالشعر ( أعلى الجسم حتى أسفله )
و يلاحظ مثلاً أن لون شعر هذا الإنسان اسود و مصفف بعناية .
بعد ذلك يتفرس بسرعة
في الوجه لتحديد علامة مميزة و ربما تكون العلامة أن أنف هذا الشخص ( كبير بعض
الشيء ) , أما ملابس هذا الشخص فهي قميص أبيض و بنطلون أسود و حذاؤه أيضاً أسود .
و أخيراً إذا شم
رائحة مميزة من هذا الشخص ( مثلاً عطر الورد ) يدخلها في زمرة المعلومات التي تدور
حول هذا الشخص الغريب , و كل هذه المعلومات يمكن جمعها في لحظات , و عندما يقدم
هذا الشخص نفسه و مزيد من المعلومات عنه يستطيع مريض عمى تعرف الوجوه فيما بعد من
خلال بعض ( الدلائل المخزنة ) تذكره و حتى بعد مرور فترة زمنية طويلة يستطيع تذكر الشخص الغريب .
يجب القيام بهذا
التمرين بصورة مستمرة كل يوم حتى عندما يشاهد مريض عمى تعرف الوجوه نفسه في المرآة
عليه بعمل ممارسة سريعة لهذا التمرين , و في غضون بضعة أشهر يؤسس مخه مناطق أخرى
فيه للتعرف على الوجوه و الأشخاص الآخرين المطلوب منه تذكرهم و التفاعل معهم .
Comments
Post a Comment