كيف تصبح عبقرياً شديد الذكاء


في هذه الحياة المعقدة يعاني كل إنسان كثيراً في التعامل مع الواقع و مشاكله, فلديه الكثير من الإلتزامات التي تحتاج لفك الكثير من المشاكل و بذل الكثير من المجهود في التفكير الذي لا يمكن القيام به , و لذلك كل إنسان يود في داخله لو أصبح أكثر ذكاءاً لكي يصبح سهلاً عليه تدبير أموره و حل مشاكله بسرعة و سهولة.
و من حسن الحظ أن الإنسان يمكنه فعلاً تطوير ذكاءه, بل هو يتطور رغماً عنه من خلال التجارب التي يمر بها ( و غالباً ما تكون تجارب عسيرة و قاسية ) لكن بعدها تتحسن رؤيته و نظرته للأمور للأفضل.

و نقدم لكل المهتمين بمسألة تطوير الذكاء ( بدون الخوض في تجارب قاسية ) أساليب مجربة و ممتازة و تعتمد على نظرية لها قيمتها في فهم الذكاء الإنساني ألا و هي نظرية الذكاءات المتعددة.
لن نخدعك و نقول أنك بإستخدام هذه الأساليب سوف تتحول إلى عبقري بين عشية و ضحاها, و لكن يلزمك بعض الوقت لتفهم الأسلوب ثم تبدأ في تطبيقه على أرض الواقع, و يوماً بعد يوم سوف تنجز الكثير و يتحسن أداءك و فهمك لطبيعة الذكاء.

و بإكمالك فهم و تطبيق الأساليب التي تطور الذكاء سوف تصل للغاية التي تريدها وهي إمتلاك عقل حاد الذكاء قادر على مواجهة الكثير من المشاكل و العقبات التي تمر خلالها في الحياة بدون تعب أو إرهاق و أيضاً بدون خوف من الخوض في أي تجربة لاحقة تحتاج أن تجتازها.

لكن ما هي نظرية الذكاءات المتعددة ؟
إنها نظرية أسسها عالم النفس هيوارد جاردنر بناء على العديد من التجارب و الإختيارات , و تزعم هذه النظرية أن المخ البشري يمتاز بالكثير من أنواع الذكاء و ليس فقط النوعين المشهورين من ألوان الذكاء و هما الذكاء اللغوي و الذي يتخصص في التواصل باللغة و كيفية إستخدامها , و كذلك الذكاء المنطقي الذي يتخصص في عملية التفكير المنهجي الصحيح.

و هذين الذكائين إعتبرا دليلا الذكاء الوحيدين و الذين تم إعتمادهما في إختبارات الذكاء التقليدية , لكن الذكاء هو مجموعة من القدرات و المهارات تجعل من السهل على الإنسان حل و تجاوز مشكلاته أو إضافة إنتاج معرفي أو عقلي له قيمة , و لذلك فالذكاء عند جاردنر عبارة عن قدرة المخ البشري و كفاءته في إنتاج أشياء جديدة ذات قيمة ثقافية أو أدبية أو علمية في المجتمع الإنساني , و بهذا يصبح ذكاء كل إنسان مميز عن ذكاء الآخرين , و الذكاء بهذا التعريف يختلف و يتفرع و يتفاوت من شخص إلى آخر.

و لتفسير هذا التعريف بشكل مبسط ننظر إلى أسلوب الملاحة الذي كان يتعرف من خلال البحارة القدامى على مسارهم عبر بحر متلاطم الأمواج , إنهم كانوا يفهمون و يستخدمون حركة الريح و إتجاهاتها و مواقع النجوم و العديد من العلامات البحرية التي إستوعبوها من خلال التجارب الملاحية العديدة , و عندما نحدد الذكاء بالنسبة للبحارة فهو يعني قدرتهم على تجاوز مشاكل الإبحار و المهارة في الملاحة التي تجعلهم يصلوا في النهاية إلى هدفهم .
و بالقطع ذكاءهم هذا يختلف عن ذكاء العلماء و الأدباء و المهندسين و الرسامين و المدربين و الرياضيين و القادة في هذا الزمن , حيث نجد أن كل الكفاءات و القدرات التي يمتلكها هؤلاء و يستخدموها في أعمالهم و حياتهم تعتبر أشكالاً مختلفة من أشكال و أنواع الذكاء.

و من خلال التجارب حدد د. جارنر أنواع ( رئيسية ) من الذكاء منها الذكاء اللغوي , الذكاء البصري , الذكاء الجسدي , الذكاء الإجتماعي , الذكاء العاطفي , لكن مع مزيد من البحث ظهرت لدكتور جاردنر إمكانية ظهور أنواع أخرى من الذكاء يحوزها العقل الإنساني.
و بالقطع يمتلك كل إنسان كل هذه الأنواع من الذكاء , لكن يختلف البشر فيما بينهم في أسلوب توظيف كل نوع من أنواع هذه الذكاءات للوصول إلى الأهداف التي يريد تحقيقها في الحياة .

أما النوابغ الذين يظهروا من آن لآخر نادراً فعبقريتهم نتاج إمتزاج أكثر من نوع من أنواع هذه الذكاءات في نفس الوقت , فمثلاً النحاتون و الرسامون لديهم توافق كبير بين ذكاؤهم البصري و ذكاؤهم العضلي و الذين يصلان لمستويات مرتفعة لكل ذكاء منهم .
أما الشعراء فلديهم درجة مرتفعة من الذكائين الموسيقي و اللغوي معاً , أما إن صحب إرتفاع درجة الذكاء المنطقي إرتفاع مقابل في الذكاء الفراغي أو البصري نرى صاحبه نابغة في العلوم النظرية كآينشتاين مثلاً.

و يمكننا على ذلك أن نقيس معظم الأدوار و الأعمال التي ينجزها الناس في المجتمعات و الثقافات المختلفة , فكلها نتيجة إمتزاج عدد من الذكاءات المختلفة , و لكي تكون موسيقياً و عازفاً بارعاً على آلة الكمان لا يكفي فقط أن تحوز الكثير من الذكاء الموسيقي , و إنما يجب أن يكون لديك إستعدادات جسدية و عقلية تؤدي إلى حيازتك القدرة على العزف و بإتقان .

و على هذا ترحب نظرية الذكاءات المتعددة بإختلاف الناس في أنواع الذكاءات التي لديهم و كذلك إختلافهم في أسلوب إستخدام هذه الذكاءات , فهذا من شأنه إثراء المجتمع و تنويع مظاهر حضارته و ثقافته من خلال إتاحة الفرصة لكل شكل من أشكال الذكاء بالظهور و المشاركة في إنتاج معين يفيد المجتمع و يؤدي إلى تقدمه و تطوره .
و في مقالتنا هذه سوف نقدم أساليب حديثة لتطوير بعض أنواع الذكاء البشري و هم الذكاء اللغوي , الذكاء الإجتماعي , الذكاء العاطفي , الذكاء المنطقي , الذكاء البصري , الذكاء الجسدي.

أولاً : تنمية الذكاء اللغوي ( ذكاء إستخدام الكلمات )

الذكاء اللغوي هو المنهج و النظام المسئول عن معالجة كل شيء يتعلق بالكلمات و الألفاظ داخل العقل , فمن خلاله يمكن للإنسان إستدعاء و تذكر و فهم معنى كل كلمة أو لفظ مسموع , و كذلك التمكن من قراءة و كتابة الكلمات و القدرة على التفكير و التحدث بمخرجات اللغة و إبتكار مصنفات و منتجات لغوية ذات معاني متعددة مثل إنتاج الشعر و تأليف العديد من المواضيع الأدبية ذات الصبغات الشعورية المختلفة.

ببساطة يشمل الذكاء اللغوي الكلمات و الألفاظ و أساليب إستيعابها بالقراءة أو الإستماع و كذلك أساليب إخراجها بالتحدث و الكتابة , و صاحب التميز في هذا النوع من الذكاء يمتلك قدرة فائقة على توظيف الكلمات العادية ببراعة لتعبر عما يشعر به و يريده , و هذا يمده بطاقة على الحديث الممتع و الذكاء في المحاورة و الإقناع , و كذلك بالقدرة على إطلاق الدعابات و الطرائف في الوقت و الموضع المناسب.

و غالباً ما يظهر صاحب الذكاء اللغوي الفائق كخطيب بليغ , بكلماته و أساليبه اللغوية يأسر قلوب سامعيه و عقولهم , و يمكنك أن تجده كذلك صحفياً متميزاً أو أديباً مبدعاً أو شاعراً يثير بأشعاره خواطر و معاني لطيفة.

و قد أثنى العظماء و كبار الناجحين على الذكاء اللغوي و ذكروا أن السلوك المهني الصحيح لا يكفي فقط كجواز مرور للقمة في أي من مجالات الأعمال و المهن و إنما يحتاج الساعي لأي قمة أن يتدرب على إستخدام الكلمات و الألفاظ و يزاول توسيع مداركه اللغوية في كل مرحلة من مراحل تقدمه و سعيه.
و بعد سنوات من الأبحاث و الإختبارات ظهر للخبراء أن أسهل الطرق و أسرعها للتحرك بثقة لحيازة المزيد من إمكانيات الذكاء اللغوي هو أن يوسع الإنسان معرفته بالكلمات و الألفاظ و يرسخها.

و سنعرض هنا أسلوبين فعالين لتنمية ذكاءك اللغوي و هما :

أولاً : منهج الإنصات اليقظ ( النشط )
الإنصات يعتبر الوسيلة الأمثل لتطوير و تحسين إستخدامك لأي لغة ( و بخاصة اللغة الأم ) و تنميتها , فالمستمع و بمنتهى السهولة يحصل على مفردات و ألفاظ لغوية ذات قيمة و بشكل أبسط مما تقدمه الأشكال المكتوبة من اللغة , و هذا بديهي فنحن كبشر نقضي أكثر من نصف ( وقت إتصالاتنا ) مع الآخرين في الإنصات تقريباً , لذلك فأكثر ما تعلمناه و دخل عقلنا من المعلومات جاء عن طريق آذاننا.

و بإستعمال منهج الإنصات اليقظ سوف يكون هدفك المحدد هو تنمية و زيادة حصتك من المفردات و الكلمات كل يوم و كذلك توسيع مساحة درايتك بالقواعد النحوية و الأساليب البلاغية الرائعة .

المشكلة تكمن في أن سرعة الإنسان الطبيعي في الكلام هي تقريباً 135 كلمة لكل دقيقة , لكن عقله يقدر على إستيعاب حتى 800 كلمة مسموعة لكل دقيقة , و الفرق الكبير بين سرعة الكلام و معدل الإستيعاب يجعل هناك وقتاً للعقل لكي يتعمق أكثر في معنى الكلام و يبحث , أو تتبد طاقته في التفكير بأمور أخرى ليست لها صلة بالموضوع المفحوص.

و كفاءة الإنسان غير المدرب لا تزيد عن 25 % في مسألة الإنصات اليقظ , أي أنه قادر على إستيعاب ربع الكلام الموجه إليه ثم يذهب عقله في أفكار أخرى , لكن عندما يصر على التدرب اليومي على منهج الإنصات اليقظ هذا فسوف يرفع من قدرته على إدراك و إمتصاص و هضم الكثير من الكلمات و القواعد و الأساليب اللغوية القيمة و كل هذا يؤدي في نهاية الأمر إلى تطوير الذكاء اللغوي بسرعة .

و معنى منهج الإنصات اليقظ هو الإستقبال المتعمق لأي معلومات و إشارات يصدرها أي طرف آخر مثل الأصوات و الألفاظ المنطوقة و المنبهات التي تحمل أفكار و معلومات و مشاعر , فهو يتخطى  حاسة السمع التي تعتمد على الأذن في إستقبال الأصوات .

و في هذا النوع من الإنصات سوف يحاول ( المنصت ) الوصول لأقصى إنتباه و تركيز , فالإنسان عندما يدفع ذهنه للمزيد من الإنتباه للمعاني و المعلومات التي يتضمنها الحديث الموجه إليه يطور و يحسن بشكل مستمر من قدرته على الإنصات.
و لذلك سوف يحاول ( المنصت ) التركيز بكل ما أوتي من طاقة ذهنية على كل كلمة يتم إخراجها أو سماعها من الأطراف المحيطة بالإضافة إلى تشغيل عقله بكل طاقة لإستيعاب حتى المعاني الكامنة في العبارات و الجمل.

كيفية القيام بالإنصات اليقظ ( النشط ) :
هناك مرحلتان خلال الإنصات لابد أن يجتازهما عقل المنصت لكي يصل إلى فهم شامل و إستيعاب كامل للموضوع الذي يحاول المتحدث إقناعنا به , و هاتين المرحلتين هما مرحلة التفسير و مرحلة الإستيعاب.
و فيهما يقوم المنصت بالتركيز على كل المفردات و الجمل التي تصدر عن المتحدث بهدف الإحاطة بفهم معنى كل كلمة أو عبارة , مع محاولة فهم ( عقلانية ) لأي معلومة أو آراء أو أفكار يتضمنها سياق الحديث , ثم إستيعاب و حفظ التعبيرات المنسقة و العبارات الرنانة و الأساليب البلاغية التي يوظفها المتحدث لعرض معلوماته و توضيح رأيه.

1- مرحلة التفسير
و تهتم هذه المرحلة بفهم معاني المفردات و المصطلحات التي تظهر في مسار الحديث الذي يحكيه المتحدث , و أيضاً محاولة فهم كل عبارة أو فقرة يتضمنها حديث المتكلم و كل هذا تمهيداً لفهم وضع المتحدث و فهم وجهه نظره بالكامل.

و هدفك كمفسر في هذه المرحلة هو فهم كل كلمة يتم نطقها و حفظ أي كلمة غير مفهومة أو جديدة على سمعك إلى قاموس مفرداتك الخاص حتى تستطيع إستخدامها لاحقاً , و هذا الفهم الأولي لمعاني الكلمات يمهد لفهم كل عبارة تصدر من المتحدث لكي تصل لفهم أكثر شمولاً لموضوع رسالة المتحدث , و قد تحتاج لتذكر و إستعادة القواعد النحوية التي تعرفها لترى هل يستعملها المتكلم بطريقة صحيحة أم أنه يتجاهلها تماماً .

2- مرحلة الإستيعاب
في هذه المرحلة لا تفكر بهدف إلا تجميع الأساليب البلاغية و العبارات البديعة و الجمل الرنانة التي إستخدمها المتحدث لعرض ما يفكر فيه و يريد نقله إليك , و هنا أنت تنصت للرد على السؤال المهم : " ما هي مواطن الجمال و ألوان البلاغة المختلفة في عبارات و جمل المتحدث و التي إستخدمها فأفادت في تحسين عرضه لآرائه و رسالته الإقناعية ؟ "

ركز فقط خلال هذه المرحلة على تشرب و إمتصاص كافة الجمل البليغة و الأساليب البديعة التي كشف عنها المتحدث , و لا تحير ذهنك و تربكه بإجباره على فهم و إدراك كل شيء يلفظه المتحدث , ليس ضرورياً أن تلم بالأرقام و تفاصيل الحقائق , حاول فقط معرفة أفكاره العامة فقط للوصول إلى إستيعاب موقفه بشكل عام.

ربما تقف معلومات و بيانات الموضوع الكثيفة كعائق أمام هدفك في تحسين و تنمية ذكاءك اللغوي من خلال الإنصات حيث سوف تنهمك خلال الحوار في التركيز على الأفكار و تفاصيل كثيرة كالأرقام و الإحصائيات و النوادر , و تنسى الفكرة المهمة أن ذكاءك اللغوي يعتمد في التطور على زيادة و تنمية حصتك من المفردات و كذلك تطوير فهمك للقواعد النحوية و إستخدامك و تطبيقك للتعبيرات البليغة , لكن إطمئن ! فعملية التعلم و الإضافة عملية تراكمية في الأصل و بمرور الوقت سوف تجد نفسك و قد أضفت الكثير من الكلمات الرائعة و الأساليب البلاغية الجميلة إلى مخزونك اللغوي , أيضاً سوف تجد في نفسك القدرة على فهم و إستعمال أي قاعدة نحوية بشكل سلس.

فقط و في كل حديث تدخل فيه ركز على الحصول على كلمة جديدة ( رائعة ) من المتحدث أو تطبيق ممتاز لقاعدة نحوية أو إستعمال فصيح لأسلوب بلاغي متميز و مع التراكم و خلال بضعة أشهر سوف تكون في مستوى أفضل بكثير من مستواك الذي كنت عليه.

و أفضل شيء ننصح به للتدرب على منهج الإنصات اليقظ أن تستمع بشكل متكرر للأشخاص البارعين في النقاش و المتحدثين المفوهين لزيادة إمكانياتك اللغوية .
و حتى متابعة البرامج التي يتم فيها تحليل الأحداث المختلفة التي تمر بالبلاد و يتم فيها سؤال الخبراء و دفعهم للحوار و التناقش , إن قمت بهذه المتابعة مع محاولة تطبيق منهج الإنصات اليقظ فسوف تصبح مع مضي الوقت أكثر حضوراً ووعياً بمعاني الكلمات و يتفتح عقلك للآراء و ذلك لتحسن قدراتك و إمكانياتك اللفظية و البلاغية .

فالمسألة كلها تتعلق ( بالإنتباه ) لما يتم التلفظ به و ( الفهم ) لما يتضمنه الحديث من مفردات و محسنات بلاغية و أساليب في تركيب الجمل و إنشاء العبارات , و كلما أنصت بقوة و نشاط أكثر كلما تعلمت المزيد و المزيد و هذا يؤدي مع مرور الوقت لإزدياد ذكاءك اللغوي.

ثانياً : منهج التحدث الفعال
أفضل تمرين للمخ لتطوير الذكاء اللغوي هو التحدث بصوت عال ( ليس أن تصرخ ! ) فهو يدفع و يحث الذاكرة على إستعادة الكلمات المخزونة ( و خاصة الجديدة ) و إعادة إستخدامها مما يساعد على تثبيت المعلومات التي تم تخزينها مسبقاً و كذلك يعمل هذا التمرين في دفع عقلك لإفراز المزيد من الأفكار الغير مسبوقة و يحثه على التعبير عنها بكلمات أقوى و أفضل مع عرضها بأساليب أكثر بلاغة عما كنت تقوله في السابق.

و في هذا التمرين هدفك الرئيسي هو إستخدام الكلمات التي تمتلكها و تعرف معناها لإنتاج أفكار و صناعة آراء و عرض أي معلومات تمتلكها وفق أساليب بلاغية فائقة الجمال تجعل الآخرين يميلوا إلى وجهة نظرك.

1- تحدث بكثرة و تحدث بصوت عالي
ننصحك بشدة أن تتحدث أكثر مما ينبغي !! و إن لم تجد هناك شخصاً تتبادل معه الحوار يمكنك أن تتحدث إلى نفسك ( بصوت جهور و عالي ) أو تتحدث إلى أشخاص قمت بإنشائهم من الخيال في عقلك لتتبادل معهم الأفكار و المعلومات و الآراء.

فعندما تتخيل محادثة بينك و بين شخصية خيالية قمت بإبداعها و لديه نفس المعرفة التي تمتلكها في موضوع أو مجال معين و تريد من الحوار و المناقشة معرفة رأيه في مسألة تطرحها عليه و ما هي أفضل نصيحة يمكنه تقديمها , يعتبر هذا التمرين أسلوباً ممتازاً لإعادة إستخدام المعلومات القديمة المخزنة في عقلك و التحدث بصوت عالي يعتبر كذلك تمريناً على كيفية عرض المعلومات بأفضل أسلوب بلاغي ممكن.

و إن وجدت أحد الأصدقاء فإنتهز الفرصة في محاولة شرح فكرة أو حدث رأيته و تعرض معه وجهة نظرك , و عندما تتقدم في التمرين يمكنك البحث عن أي حلقات للمناقشة تسمح لأعضائها بعض آرائهم و أفكارهم المختلفة و ذلك لكي تعرض فيها إبداعاتك من الأفكار و الرؤى المثمرة .

2- كن على طبيعتك
عندما تجد نفسك في مناقشة عرضية مع شخص ما أو تضطر للدخول في مناسبة إجتماعية تحتاج منك الإحتكاك بالآخرين و التحدث معهم فلكي تمتلك زمام نفسك و تحكم قدرتك على التحدث الطليق فعليك أن تكون على سجيتك تماماً ! و قد إتفق كبار المتحدثين و الخطباء جميعاً على أن التصرف بطريقة حرة و طبيعية هو أنسب وضع يساعدهم على سرد أفكارهم بدون قلق.

و على هذا تحدث بشكل طبيعي في كل موقف تضطر فيه للكلام , تحدث و قل ما تحبه و تريده بحرية , و إعرض أفكارك و إسترسل فيها بنغمة صوتك الحقيقية و لا تحاول تغيير نبرة أو لهجة صوتك فهي أحد مكونات طبيعتك و توحي بخبراتك الخاصة , كذلك لا تكبت إنفعالاتك أثناء عرضك لآرائك و مقترحاتك البناءة .
أفسح المجال لعواطفك و أتح الفرصة لحماسك و غضبك و مرحك و ما تريده أن يظهر من إنفعالات , فهذه العواطف الحارة تجعلهم يخرجوا من حالة الكبت و البرود الغير طبيعية التي يدخلوا فيها بعد مدة و لا تجعلهم يستطيعوا التجاوب مع آرائك و وجهات نظرك.

3- طعّم كلامك بجمل قوية
للجمل قدرة كبيرة على تنبيه الأذهان و تحفيزها إن إحتوت على كلمات مفعمة بالطاقة و نابضة بالحياة تملأ النفوس بمشاعر عديدة و لذلك تستحوذ أكثر على الإنتباه.
و نعني بالجمل القوية تشكيلة من بضع كلمات ( ربما لا تتعدى أربع كلمات ) تقوم بنقل معنى مراد و محسوب فوراً لأن هذه الجمل سهلة الفهم و التصور كما أنها تمتلئ بمشاعر جياشة مما يحفز ذهن المستمع لتلقي المزيد , و تبدوا قوتها واضحة بين قريناتها من الجمل الأخرى لأنها تحتوي معلومات خطيرة أو تكشف عن فكرة مبتكرة و خلاقة أو تدفع الآخرين للدخول في مسار مختلف من حديث معين .

و لكي تستطيع إنشاء هذه التوليفات النصية القوية التي تجذب إنتباه الآخرين و تجني من وراء ذلك المزيد من المشاركة الوجدانية و الإهتمام بآرائك تحتاج لإنشاء ( الهيكل ) و هو تكوين الفكرة العامة لجملتك القوية أولاً و بعد ذلك تقوم بزخرفة هذا الهيكل من خلال تجميع الكلمات و الألفاظ التي تعبر بشكل بارع و متقن عن الفكرة العامة , و بشكل تمهيدي قم بإنشاء توليفة الكلمات الإبتدائية , و بعد ذلك حدد أكثر المفردات و الكلمات قوة و تأثير ثم أعد صياغة الجملة كلها مرة أخرى بأسلوب عرض أفضل .

و طبعاً لن تخرج الكثير من الجمل القوية من دماغك بسهولة وفق هذه النصيحة البسيطة , المسألة سوف تحتاج الكثير من الوقت و التمرين الذهني المستمر لإنشاء الكثير من الصيغ و التوليفات الكلامية و كذلك تحديد أفضل صيغة , و قد يتطلب الأمر المقارنة كثيراً بين الصيغ التي قمت بإنشائها لتصل لتمييز الصيغة الأفضل ( أو الجملة الأقوى ) و التي سوف تقولها و تستخدمها مراراً بعد ذلك في أحاديثك القادمة .

4- أظهر خبراتك و مهاراتك و معلوماتك الأكيدة خلال الحوار
أي مهنة أو وظيفة أو هواية لها ألفاظ و جمل متعلقة بها بالإضافة إلى إشتمالها على معلومات و خبرات تقتصر عليها فقط , و من السهل عليك ( إقتطاف ) بعض الجمل التي لها معنى خاص و معبر و التي تسمعها بكثرة خلال فترة عملك أو خلال ممارستك هواية خاصة , بعد ذلك قم بإدخالها ضمن ما تقوله من جمل و خبرات بإستمرار , فهذه الألفاظ ( الثرية بالمعاني ) من شأنها إعطاءك قوة تأثير كبيرة عندما تتحدث .

و أثناء حديثك عندما تركز على الأمور التي تعرفها و الخبرات التي تجيدها من مهارة معينة أتقنتها سوف تشعر بثقة عندما تتحدث و براحة كبيرة عندما توضح بعض الأمور و تشرحها , و تظهر هذه الثقة و الراحة في نبراتك التي بدورها سوف تشد المستمعين إلى كلامك و تجعلهم ينصتون بعناية .

ثانياً : تنمية الذكاء العاطفي ( أو الذكاء الوجداني )

يختص هذا الذكاء بقدرة الإنسان على تمييز مشاعره الشخصية و كذلك الوعي بمشاعر الآخرين و تمييزها بهدف معالجة و ضبط الإنفعالات و العواطف بشكل سليم سواء مع الذات أو مع الأشخاص الآخرين , و بهذا يتمكن الإنسان العاقل أن يدير العلاقات مع الآخرين بشكل صحيح و بنّاء و أن يبني جسور المشاركة العاطفية بشكل مميز و صحيح.

فالذكاء العاطفي هو محصلة مقدرتين , القدرة على فهم المشاعر و الإنفعالات الشخصية , و كذلك القدرة على فهم مشاعر الآخرين و إستثمار ذلك في المشاركات الوجدانية و العلاقات الإجتماعية و حتى عبر العلاقات العابرة بهدف تحقيق الإتصال الموفق بالآخرين .

من هو صاحب الذكاء العاطفي المرتفع ؟
هو إنسان يفهم مشاعره بشكل صحيح , و لذلك يستطيع التعامل بنجاح و مرونة مع أي ضغوط نفسية داخلية أو ضغوط خارجية , و بهذه النفسية لا يستغرق في التوتر و لا يجعله الخوف من الفشل يحجم عن السير في طريق يرى في نهايته النجاح , إنه في النهاية إنسان متفاءل .

و من أبرز مزايا الرجال أصحاب الذكاء العاطفي المرتفع مقدرتهم المتميزة على التكيف مع أي وسط إجتماعي يجدون أنفسهم فيه و بسهولة ! و السر في ذلك أنهم أشخاص حساسين و خفيفي الروح لديهم إمكانية غير طبيعية على الوعي بمشاعر الآخرين , و لأنهم يقدرون و يحترمون الأطراف الأخرى أو على الأقل يتفهمون دوافعهم يكون التعامل على أفضل ما يكون مما يدفع الوسط المحيط إلى تقبلهم و الرضي عنهم .

و أبرز مميزات النساء ذوات الذكاء العاطفي العالي أنهن قادرات على التكيف مع ضغوط الحياة النفسية و ذلك لثقتهن الكبيرة في أنفسهن و مشاعرهن , و هن أيضاً إجتماعيات بدون نزعة تحفظ و تعالي , و لذلك يسهل عليهن إنشاء المزيد من العلاقات الإجتماعية المميزة و الجديدة , فمن الصعب أن يشعرن بأي قلق على صراحتهن أو ذنب أو ندم من أسلوبهن في الحديث أو أقوالهن أو آرائهن .

فائدة الذكاء العاطفي ( أو الوجداني )
1- صاحب الذكاء العاطفي المرتفع يستطيع التعامل الصحيح مع ذاته و مع المشاعر التي تنتابه من خوف و قلق و غضب و عدوانية و شعور بالذنب , و ذلك بخلاف إنخفاض نسبة هذا النوع من الذكاء الذي لا يجعل صاحبه يتمكن من التعامل مع مشاعره السلبية بشكل سليم , و هذا ما نراه في مجتماعتنا المعاصرة من زيادة في نسب القلق و الإكتئاب و العنف و المادية .

فالذكاء المنطقي وحده لا يكفي لإدارة حياتك العاطفية و أمورك الإجتماعية و لا حتى يكفي لفهم المشاعر التي تطرأ عليك في كل موقف تجتازه , و لذلك فأنت هنا خارج السيطرة , و لذلك تحتاج لذكاءك العاطفي بشدة لكي تكون على وعي تام بمشاعرك و كذلك لتمتلك القرة على معالجتها و تنظيمها للتعامل و السيطرة على وسطك الإجتماعي الذي يحيط بك.

2- الطالب صاحب الذكاء العاطفي المرتفع يستطيع التعامل مع مشاعره و التحكم فيها بشكل أفضل , فخلال العام الدراسي يستطيع أن ينتج روح التفاؤل و الأمل في التفوق , و بإقتراب الإمتحانات يستطيع أن يهدئ من توتره و قلقه , و حتى أثناء الإمتحان نفسه يصبح أكثر هدوءاً و رغبة في التميز و هذا يدفعه لمزيد من التركيز و القدرة على التذكر و حل الأسئلة بأفضل ما يكون .

3- الشخص المتمتع بذكاء عاطفي مرتفع يستطيع التعامل مع الآخرين بشكل ممتاز , فيحقق لنفسه أكبر قدر من التعاطف و يحصل من الآخرين على أفضل ما لديهم من ثراء أخلاقي .
أيضاً الإنسان صاحب الذكاء العاطفي المرتفع أكثر قدرة على الحوار و التفكير المشترك مع الآخرين , فهو قادر على تقبل النقد و آراء الطرف الآخر المختلفة , مما يجعله يرحب بأي حلول وسط لا تجعله يفك إرتباطه مع الأطراف الأخرى , فأي نجاح لمجموعة عمل أو فريق يعتمد على تناغم الذكاء العاطفي لكل الأفراد المشاركين في المجهود و ليس إرتفاع ذكاؤهم المنطقي.

4- الذكاء العاطفي هو أحد الركائز الأساسية التي تستند عليها أي قيادة أو إدارة فعالة , فعندما يتمتع القائد بذكاء عاطفي مرتفع يصبح أكثر وعياً بالمؤسسة أو الشركة التي يعمل بها , كما أنه يؤدي وظائفه بشكل أفضل بكثير مما هو متوقع , فهو لديه القدرة على إستخدام ذكاءه العاطفي أفضل إستخدام لمعالجة عواطفه و التأثير الحسن في مشاعر الموظفين الذين يعملون معه , و جعلهم يشعرون بالثقة فيه و كذلك الحب و التفهم , بل إنهم قادرين على إدخال السعادة و البهجة بين العاملين و الموظفين من خلال علاقات شخصية تمتاز بالحس المرهف مما يدفع الموظفين لأداء مهام العمل بهمة أكثر و بشكل أحسن مما يدفع المؤسسة للأمام أكثر , كما يجعل من السهل إتخاذ قرارات مستقبلية صعبة .

و الكثير من الدراسات الحديثة أظهرت أن المديرين أصحاب الذكاء العاطفي المرتفع يستطيعوا تحقيق زيادة كبيرة في كفاءة المؤسسة التي يرأسوها و كذلك إنتاجها , بل و قد بالغ المتخصصون حيث أكدوا أن النجاح في أي مجال من مجالات العمل الإنساني يحتاج من الإنسان إلى 80 % ذكاء عاطفي بالإضافة إلى 20 % مهارات و إمكانيات معرفية و فنية.

السؤال الحقيقي : هل يمكن لأي إنسان أن يرفع مستوى ذكاءه العاطفي ؟
بالتأكيد الإجابة هي نعم ! حتى إن فرصة تحسين الذكاء العاطفي أفضل بكثير من فرص و إحتمالات التحسين في باقي أصناف الذكاء البشري.
 و المبدأ في تحسين ذكاءك العاطفي في غاية البساطة و هو ( شغل ذكاءك و إجعله يعمل في معالجة شعورك و عواطفك ) , و لذلك عليك أن تعي و تدرك عواطفك أولاً ( بماذا تشعر الآن ؟ و لماذا تحس في هذا الوقت بهذا الإحساس ؟ ) .
و بعد ذلك عليك بمعالجة عاطفتك التي حددتها بأسلوب صحيح و إيجابي لكي تصل لإدراك أفضل سلوكيات و تصرفات بإمكانك أن تتخذها كمنهج و تسير عليها.

الإنسان صاحب الذكاء العاطفي المرتفع لا يتجاهل مشاعره و عواطفه التي تنشأ مع كل موقف و لا يكبتها كذلك , و إنما يعيها و يفهمها جيداً لكي يتعامل معها بأفضل طريقة تعود عليه بالنفع , فكبت العواطف يدفع النفس إلى الإحتقان مما يؤثر سلباً على صحة الإنسان النفسية و الذهنية أيضاً .

إننا كبشر لا نستطيع إجبار أنفسنا على عاطفة معينة و لكننا بالقطع نمتلك القدرة على تحديد ماذا يمكن أن نفعل بشأن هذه العاطفة الناشئة , فنحن مثلاً لا نستطيع أن نجبر أنفسنا على الغضب و في التوقيت الذي نحدده و لكننا نقدر على تحديد الأسلوب الأمثل للتعامل مع شعور الغضب إذا حدث و نتج.

فهناك علاقات متبادلة بين الشعور و التفكير و السلوك , و لذلك يمكننا أن نتحكم في سلوكنا و الوصول به لأحسن مستوى عن طريق إدخال تفكير ممنهج في العاطفة , و بالبديهة عندما تغير من أسلوبك في التفكير بأمر معين يتغير شعورك نحوه و من ثم يتغير تصرفك.

و بسبب إمكانية إدخال نظام تفكير في العواطف و سهولة تعلم ذلك , يمكن للإنسان و بأي عمر تعلم كيف يعي إنفعلاته و كيف يفهم إنفعالات الآخرين , و يمكن تبعاً لذلك تعلم كيفية قيادة هذه العواطف و الإنفعالات في دروب و إتجاهات مفيدة للإنسان و المجتمع المحيط به و لها مردود إجتماعي فعال و ذو وزنه.
و يوجد أسلوبين بسيطين لتنمية الذكاء العاطفي , و سوف يحتاجان بعض الوقت في التدرب عليهما , لكن بإجادة هذين الأسلوبين سوف يتطور ذكاءك العاطفي بدرجة هائلة فتصبح أكثر مقدرة على إدراك المشاعر الناتجة في كل موقف أو حدث و إصدار السلوك المناسب.

أول أسلوب : تنمية الوعي بالذات
الوعي بالذات ( أو النفس ) يعني القدرة على فهم و معرفة العواطف و الأحاسيس و تمييز المشاعر أياً كانت في التوقيت الذي حدثت فيه و لذلك يعتبر من أهم أسس الذكاء العاطفي , فعندما لا يتمكن الإنسان من ملاحظة مشاعره الناشئة يصبح واقعاً تحت حملها السيئ , بخلاف إذا رصد الإنسان أحاسيسه خلال حدث و وقت معينين , حيث سوف يدرك التأثيرات السيئة لهذه الأحاسيس و العواطف و بالتالي يتجنبها و خاصة عند الإضطرار لإتخاذ قرارات صعبة أو عند التعامل مع الآخرين .

و الإنسان يصبح سيداً لنفسه عندما يتمكن من التحكم في رغباته و نوازعه , حيث سوف يقودها إلى الفوز و الفلاح في الحياة , و يمنعها من أن تدفعه هي للحياة المرتبكة غير السليمة.
و تستطيع تطوير وعيك بذاتك من خلال هذا التدريب الذي يكشف مشاعرك و يفسرها , و يعرف هذا التمرين بإسم ( إعرف نفسك ! )

الأسلوب الصحيح لأداء تمرين ( إعرف نفسك ) :
1- جهز ورقة و قلم أو إستخدم حتى آلة تسجيل تستخدمها لتدوين أفكارك و مشاعرك و ضع كل هذه الأدوات على مائدة أو منضدة في غرفة هادئة و بعدها إجلس على كرسي لطيف و قم بالتركيز على نفسك حيث تتنفس بعمق لمدة بضع دقائق حتى تصل لحالة إسترخاء.

2- إبدأ بالإجابة على أول سؤال ( من أنت ؟ ) و الإجابة يجب أن تكون بإستفاضة و تتم في ذهنك أولاً قبل تسجيلها , في الإجابة إستحضر و تذكر هويتك الشخصية و كيف تنقلت عبر مراحل حياتك المختلفة من طفولتك و حتى اللحظة التي تتذكر فيها الآن , إذكر المزيد من المعلومات عن نفسك , ماذا تحب و ما هي الأشياء التي تكرهها , كل هذه المعلومات أساسية في مرحلة فهمك لمشاعرك و ذاتك .
بعد ذلك سجل كل ما تتذكره من هذه الجلسة في أوراقك الخاصة و يمكنك إضافة المزيد من التفاصيل على كل ما إستحضرته من معلومات و بعدها إسترح قليلاً لتبدأ القسم الثاني من الجلسة .

3- عليك الآن الإجابة على السؤال الخطير و المهم ( في حياتك الحالية ما الذي تشعر تجاهه بمشاعر سلبية و أحاسيس و عواطف سيئة ؟ ) .. سوف يكون صعباً تذكر هذه الأحداث و الأشياء التي سببت لك الكثير من الضيق و التعاسة أو تسترجع المآزق التي إضطررت لمواجهتها و دخلت بسببها في دوامات من أحاسيس غاية في السوء ( و التي تريد نسيان حدوثها ) .
أكتب و سجل هذه الأشياء أو المواقف السيئة أو الصعبة و يمكنك ( لتبسيط المسألة ) أن تبدأ تسجيل الأحداث التي إضطررت لإجتيازها خلال الأيام السابقة القليلة و بعد ذلك تعود بالذاكرة للوراء لتجد أن بإمكانك إستحضار الكثير من الأشخاص أو المواقف التي تسببت لك بمشاعر سيئة و ضيق شديد.

4- الآن عليك أن تسأل نفسك السؤال البديهي : هل أنت السبب في إدخال نفسك في هذه المشكلة أو المأزق أو الورطة ؟ هل أنت السبب في توجيه أي نوع من الإهانة للشخص الذي تشاجرت معه .
إن لم تكن أنت السبب في توريط نفسك في مأزق و لم تكن أنت السبب في إفتعال شجار مع طرف آخر , فلا تقم بلوم نفسك و لا حتى أن تحزن أو تتضايق ( إنه الواقع ) و فقط عليك أن تعيشه بفكر أفضل !

أفضل شيء يمكنك فعله هو محاولة إستنباط درس من أي تجربة صعبة إضطررت للمرور خلالها أو من أي مشكلة واجهتها و إن لم تقدر فأبسط شيء هو أن تتجاهل المسألة برمتها و تلتفت للتعامل مع واقعك الحاضر .
خذ فترة من الراحة قبل البدء في المرحلة التالية من التمرين .

5- ربما تكون هذه هي المرحلة السهلة حيث تتطلب منك تذكر و إستحضار كافة الأشياء و الأماكن و الأشخاص الذين تسببوا في إدخال السرور إلى قلبك و جعلك تحس محوهم بمشاعر ممتازة , و على سبيل المثال يمكنك تسجيل أن أفضل الأوقات التي تمر بها هي الأوقات التي تكون فيها بالنادي حيث تلعب و تقضي أوقاتاً سعيدة مع الأصدقاء المرحين , يمكنك أن تكتب أن أسعد يوم يمر عليك كل شهر هو اليوم الذي تقبض فيه راتبك ! أو تقول لقد إنتابتني مشاعر جياشة يوم تخرجي أو عند حصولي على مركز متقدم بعد الإنتهاء من دورة تدريبية ذات فائدة .

6- إبدأ الآن في التركيز على كل موقف من المواقف التي سجلتها سابقاً و حاول تحديد و تفصيل أنواع المشاعر التي أحسست بها خلال هذا الحدث السعيد أو المهم , و على سبيل المثال ركز كل طاقتك الذهنية على أي إحتفال أو مناسبة مبهجة مثل يوم الإحتفال بميلادك , و إبدأ في إستحضار المشاعر المختلفة منذ بداية اليوم و حاول تحديد كل شعور إيجابي أو عاطفة مبهجة طرأت عليك خلال الإحتفال و حتى نهاية اليوم حيث أغمضت عينيك , حاول الإهتمام بالتفاصيل قدر الإمكان .

7- كرر هذا التركيز محاولاً تفصيل كافة المشاعر الناتجة من كل حدث سعيد أو مفرح جعلك تحس بأحاسيس بهيجة من قائمة الأشياء و الأشخاص و الأحداث التي أحدثت فيك شعوراً إيجابياً.
و أخيراً نقول أن هذا التدريب في البداية سوف يكون ثقيلاً عليك و لكن مع الإستمرار في ممارسته يصبح الأمر سهلاً و لن تتكلف الكثير من الجهد لتحدد كافة المشاعر التي إنتابتك و أنت تجتاز أي حدث أو تمر بأي موقف أو تقابل شخص معين , و بهذه العقلية يتطور إحساسك بذاتك و ينمو لديك وعي أكبر بمشاعرك , فتعتمد على هذا الإدراك و تصبح أكثر قدرة على إتخاذ سلوكيات أكثر تعاطفاً مع الآخرين و أكثر رقياً في الحياة .

ثاني أسلوب : التقمص الوجداني ( أو الإعتناق )
مهارة مؤسسة على قدرة العقل على وعي إنفعالات الآخرين , أي قدرة الإنسان العاقل على فهم و معرفة أحاسيس الآخرين و إنفعالاتهم و عواطفهم من مجرد نبرات صوتهم و تعبيرات وجوههم و ذلك لمرحلة أولى لفهم مواقفهم و طبيعة آرائهم لكي يتم التعامل معهم بعد ذلك و إنشاء علاقات إجتماعية ذات مردود صحي و نافع.

و الأشخاص المتمتعين بإمكانية التقمص الوجداني لديهم قدرة كبيرة على إستشعار أبسط المشاعر من الآخرين و فهم أي إشارات ذات صبغة عاطفية و هذا يساعدهم في إقامة علاقات إنسانية ممتازة مع الآخرين.

و أنت كبشري بالطبع تمتلك هذه المهارة و لكنك تحتاج لتحسينها , و لكي تطور و تحسن هذه المهارة بدرجة كبيرة عليك القيام بتمرين ( التقمص الوجداني العميق ) , و هو تمرين مكون من عدة مراحل , إن داومت التدريب عليه لعدة أسابيع تصبح ذو قدرة هائلة على فهم و معرفة عواطف و إنفعالات الآخرين , بل إنك سوف تنظر إلى الأمور كما يراها الطرف الآخر و يشعر بها , و تفهم كيف يبنون آرائهم و مواقفهم إستناداً على هذه الأحاسيس مما يجعلك قادراً على التفاعل معهم بدرجة أفضل.

أسلوب أداء تمرين ( التقمص الوجداني العميق ) :
مدة هذا التمرين عشرين دقيقة , لكن قبل أن تبدأ في ممارسته عليك بإختيار مكان لا يستطيع أحد أن يقاطعك فيه طوال هذه المدة , إجلس على كرسي مريح بإسترخاء و حاول التنفس بعمق و هدوء لمدة دقيقة حتى تصل لأقصى درجات السكينة , و إن كنت لا تشعر بالراحة طوال هذه المدة قم بإغلاق عينيك ثم تتبع هذه الخطوات .

1- إبدأ في تذكر مشكلة إستفزت مشاعرك و جرحت أحاسيسك و السبب الرئيسي فيها هو شخصية معينة , كخلاف مع احد الأصحاب أو مشاجرة تم فيها إطلاق عبارات جرحت مشاعرك و كانت صادرة من شخص غريب.
الشيء البديهي أن المشكلة أو العبارات الجارحة تتسبب في إطلاق مشاعر و أحاسيس ليست سيئة فحسب بل كريهة !

2- ركز تفكيرك الآن في إستشكاف السبب الحقيقي وراء خروج هذه المشاعر الكريهة , هل كان المأزق أو المشكلة التي تورطت فيها مع صديقك هي التي أخرجت مشاعر الغضب و الكراهية أم أنك وجدت تصرفات صديقك سيئة و محبطة .

3- قم بإسترجاع الحدث كاملاً و تصور الموقف كما لو أنه يحدث الآن و إبدأ في تذكر موقف الصديق و حاول معرفة الأمور التي أدت لتصرفه الذي أساء إليك و خيب أملك , هل الإنفعال الزائد عن حده هو الذي أخرجه عن شعوره و عقله , أم أن الورطة التي إندفعتهم إليها لم يعرف الصديق التصرف الصحيح للخروج منها بل تصرف بحدة تجاهك.

4- الآن تصور نفسك و كأنك الطرف الآخر في المشكلة , أنت أصبحت ( ذات صديقك ) , عدل موقفك أو وضعك لموضع أو محل الشخص الذي إختلفت معه , ضع نفسك مكانه و إبدأ في تخيل الموقف من وجهه نظره هو , الآن أنت تشعر بمشاعره و لديك نفس الخلفية الفكرية و الشعورية التي تأسست عليها كل هذه العواطف و الأحاسيس.

سوف تحتاج للتفكير من خلال وجهة نظر الطرف الآخر ( لأنك تضع نفسك موضعه ) في الأفعال و التصرفات التي ( فعلتها أنت ) خلال المشكلة التي جمعت بينكما , و إبدأ في تقييم أقوالك و ردود أفعالك و حركاتك من وجهة النظر المعارضة , فهل ترى أنك كنت ثائر الأعصاب و مهتاجاً فوق الحد الطبيعي ؟ أم أنك قد وضعت أعصابك ( في ثلاجة ) و لم تبدي حتى أبسط رد فعل ؟ أم أنك لم تعرف كيف تتصرف حيال هذه المشكلة و أبديت تصرفات غير منطقية لا تفيد في الخروج من الأزمة و هذا ما ضايق صاحبك كثيراً ؟!

5- إبدأ الآن في تقييم طريقة تعامل صديقك معك خلال الحدث و تفاعله مع كلامك و تصرفاتك , هل تراها الآن ( طريقة صحيحة للتعامل أم طريقة خاطئة ( كما قيمتها سابقاً ) , هل دوافع الطرف الآخر و ردود أفعالهم عندما يتعاملوا معك صحيحة و منطقية أم تراها إستجابات خرجت عن الحد المعقول ؟

6- إخرج في النهاية من هذا الموقف بنتيجة أو خلاصة يمكنك إستخدامها و تطبيقها لاحقاً عند التعامل مع الآخرين و تحصل منها على نتائج أفضل أو على الأقل تصبح في مواقف لاحقة أكثر وعياً لنظرة الطرف الآخر و أكثر تعاطفاً معه.

فعلى سبيل المثال: إن أبديت رأياً في مسألة أو موضوع و لم يعجب هذا الرأي أحد زملائك و قام بإنتقادك ( بوقاحة ) برغم أن رأيك لم يسيء إليه , تستطيع تجاهل الإساءة ( التي رأيت أنها ضد شخصك ) ثم أعد تقييم رأيك الذي أبديته في المسألة السابقة, فإن ظهر لك أنه صحيح و بنّاء ( أو على الأقل قريب جداً من الصحة ) فهذا يعني أنك على الطريق الصحيح , أما الطرف الآخر ( الذي إنتقدك بوقاحة ) هو الخاطئ بسخريته و إستهزاؤه برأيك.

أما لو كان رأيك به بعض الخطأ , فالأفضل هنا هو إظهار هذا الخطأ للوصل إلى موقف أفضل تجاه المشكلة بدلاً من الذهاب بعيداً و إظهار الإهانة بالإستهزاء الوقح برأيك.
قد لا يستطيع زميلك معالجة المشكلة بإمكانياته و حدها و يحتاج إليك للمساعدة , و بإستخدام الأسلوب الوقح في الإنتقاد سوف يستبعدك من مجموعة الوصول للحل و بالتالي سوف يتحمل العبء كله و يصبح هو الطرف الخاسر.

أنت على حق في سلوكك و لم ترتكب جريمة في النهاية , كل ما فعلته هو إبداء رأي في مسألة كما أنك تصرفت معه بأحسن ما يمكن و سوف تكرر هذا السلوك السليم في أي موقف لاحق , و كل ما تقرره الآن هل سوف تسامح صديقك لتصرفه الخارج عن الذوق أم فقط سوف تقرر عدم إبداء أي آراء في وجوده أو إبداء آراء عند أشخاص لا يقدرونها , و ربما تستفيد من هذه التجربة بأن تحرص عندما تقوم بنقد آراء الأطراف الأخرى و ترى أن رأي الطرف الآخر يحتوي بعض الأخطاء أو ليس مفيداً بدرجة كبيرة بأن تقوم بهذه العملية و أنت تحرص على عدم جرح شعور الطرف الآخر الذي كان فقط يريد المساعدة و هذا عمل و نزعة ينبغي أن يتم تقديره عليها.


ثالثاً : تطوير الذكاء الإجتماعي

الذكاء الإجتماعي يعني إمكانية التعامل مع الأشخاص الآخرين و التفاهم معهم بسهولة بهدف إقناعهم بأفكار و مقترحات يرى صاحب هذا النوع من الذكاء أنها مهمة و تستحق أن يستحوذ عليها الآخرين , لذلك فعند حيازتك المزيد من إمكانيات هذا الذكاء تصبح مالكاً لإمكانية التأثير في الآخرين و إستقطابهم لتأييدك في أي موقف أو وقت تريده.

الحكام العظام و القادة البارعين لديهم تميز و قدرات فائقة من هذا النوع من الذكاء يجعلهم قادرين على توجيه الآخرين و قيادتهم نحو أهداف لها فائدة كبرى للجماهير.
أما أصحاب الذكاء الإجتماعي الفائق في مجتمعنا المعاصر يتميزوا بشدة في الأعمال التي تحتاج القدرة على إقناع الآخرين مثل مجالات التسويق و الدعاية .

و هناك عدة قدرات و مهارات من إمتزاجها يتشكل الذكاء الإجتماعي منها :
1- إمكانية الإحساس بعواطف الآخرين و دوافعهم و شئونهم الضمنية منها و الصريحة , و هذه الإمكانية تعتمد على قدرة الفرد على ملاحظة و فهم المشاعر و الإشارات التي تصدر من الآخرين تلقائياً و بدون وعي و التي تظهر من خلال تعبيرات الوجه و مظاهر و حركات الجسد , كذلك تظهر أثناء الكلام كتغير نغمة الصوت أو ظهور معنى مختلف للنظرات.

2- كذلك المقدرة على فهم أسلوب التعامل الأمثل مع كل موقف إجتماعي مهما بلغت حساسيته و المقدرة على التعامل و التوافق مع كافة أنواع الأشخاص بحذق و كياسة.

أفضل أساليب تطوير الذكاء الإجتماعي :

يوجد الكثير من الطرق و النصائح التي تفيد في تحسين الذكاء الإجتماعي , لكننا هنا سوف نعرض مسارين مختصرين و هما , كيف تحدد أكثر الأشخاص فائدة بالنسبة لك و كيف ترتبط معهم في علاقة صداقة , و كذلك كيفية معرفة و تحديد الأشخاص السلبيين و المضرين و الأسلوب الصحيح للتقليل من ضررهم و أثرهم البالغ .

1- كيفية معرفة الأشخاص النافعين و مصاحبتهم

أ. تحدث لأي شخص مهما كان
حاول أن تتحدث إلى أي إنسان لا تعرفه و ذلك كل يوم و في أي موضوع , و عندما تتقن المسألة يمكن أن تزيد العدد حتى يصبح تبادل الحوار مع الأشخاص الأغراب و الدخلاء طبيعة ثانية في تكوينك و شخصيتك.
فالأشخاص الإجتماعيين المتمتعين بدوائر واسعة من المعارف و الأصدقاء لديهم ملكة التحدث و تبادل المعلومات مع كل شخص يقابلهم , و حتى إن تم التعارف لمدة واحدة تم فيها تبادل حوار قصير إلا أنها بداية حسنة لتطوير هذه العلاقة في وقت آخر و على نحو أفضل .

ب. الجيران هم الأولى بأي محادثة
الجيران و الذين يعملون في المتاجر المحلية القريبة من بيتك و كذلك عمال المرافق القريبة منك هم أقرب الناس إليك فعلاً و تحتاج أن تقوم بحوارات قصيرة متسمة بالظرف لتوسيع دوائرك الإجتماعية أكثر.

إسألهم بلطف عن أحوالهم و بعض المعلومات عن أعمالهم و تبادل معهم بعض الآراء لكن تجنب إستخدام أسئلة محرجة تمس حياتهم الشخصية و المادية فأحياناً يؤدي إستفسار برئ عن الوضع المالي أو العائلي أو حتى العملي إلى إستياء الطرف الآخر بشدة و بخاصة إذا كان يعاني بعض المشاكل .
ببساطة إلتزم بالإستفسارات حول المجالات المحايدة و الآمنة .

ج. إنخرط في ألوان جديدة من النشاط الإجتماعي
حدد أولاً إهتماماتك و هواياتك و نشاطاتك المفضلة , و أكتب أسماء الأماكن التي ذهبت إليها و لو مرة واحدة و إستمتعت بقضاء أوقات سعيدة و قمت فيها بالترفيه عن نفسك , فمن الراجح أن هذه الأماكن تحتوي على نوعيات من الناس متفقة معك و يسهل أن تضمهم لدائرتك الإجتماعية .

ثم حدد من هذه الأماكن أفضل البيئات الإجتماعية التي يكثر فيها من تفضلهم أو من هم على شاكلتك , بعد ذلك لكي تطور ذكاءك الإجتماعي أكثر سوف تكون مسئوليتك أن تروح بشكل متكرر إلى هذه الأماكن لعقد بعض الصداقات و توسيع أعداد معارفك و ذلك بالإعتماد على مهاراتك التي قمت بتطويرها من خلال الأسلوبين السابقين.

2- كيفية معرفة الأشخاص الهدامين و تلافي إستنزافهم لك
أ. الأشخاص المتذمرين
هؤلاء الأشخاص ينظرون إلى العالم و على أعينهم غشاوة سوداء كثيفة و يعتبرون أن الحياة على هذا الكوكب عبارة عن مشكلة جسيمة و لذلك فهم يشتكون بإستمرار , و مهما كانت الأمور تسير بشكل طبيعي فسوف تسمع إحتجاجاتهم و تذمرهم حيث يركزوا فقط على الأمور السلبية و التفاصيل غير المهمة.
و بشكل مستمر تبصرهم و تسمعهم يتصيدون ( و بإستمتاع ) أخطاء الآخرين , و هذه العادة الذميمة تعتبر من أسوأ أنواع السلوكيات التي تخرب العلاقة بين أفراد المجتمع و تحولهم إلى أعداء.

و يمكنك إستشعار هؤلاء المتذمرون بسهولة و التعرف عليهم من خلال تلميح عابر ممتلئ بالكراهية أو إشارة بسيطة مفعمة بالحقد , أو حتى حركات سلبية بذيئة يصدرها هؤلاء ( بإستخفاف ) لكن بإمكانها أن تعكر مزاجك طوال اليوم.

يجب لذلك إبقاء هؤلاء المتذمرين خارج حدودك ( الذهنية و الشعورية ) في كل الأوقات لأنهم أشخاص هدامين لديهم مقدرة هائلة على تسميم أفكارك , أما إن كان من الصعب الإبتعاد عن أحد هؤلاء المتذمرين أو دفعه بعيداً لأنه أحد زملائك في العمل و يلزم أن يتواجد في نفس الحجرة معك , فعليك بجعله يكف عن تذمره هذا عن طريقة إظهار أثر شكواه و تذمره المتكرر على حالتك الشعورية , فيمكنك مثلاً أن تقول له: " أشعر بضيق شديد و أمر بحالة عسيرة عن وصف سوءها عندما تستمر بإخباري بكل الأمور التي تكرهها أو المشاكل التي إندفعت فيها بشكل خاطئ , إن أردت التحدث معي فأرجو أن تتكلم عن بعض الأمور المفيدة أو السارة الإيجابية و إلا فإلتزم الصمت ".

و قد لا يعرف زميلك هذا جواباً بعد هذه الجملة و هنا عليك بإختيار موضوع محايدة أو أمر تراه إيجابياً و إدفعه ليتحدث فيه , فمثلاً قله له : " كيف قضيت يوم الجمعة و أين ذهبت فيه ؟ .... أو .. لقد قلت لي سابقاً عن جهاز حديث إشتريته فهل بإمكانك إخباري عن فوائده , أو ... لقد أنجزت أحد المهام في العمل بسرعة قياسية , كيف تمكنت من هذا ؟ ... "

سوف يتكلم غالباً لبعض الوقت ثم تجده بعد مدة يرجع إلى حالة الشكوى و التذمر التي يعشقها , و هنا يجب أن تواصل إرجاعه مراراً و تكراراً إلى الحالة المحايدة أو الحالية الإيجابية التي إما أن تضيف إليك مشاعر ممتازة أو تضيف إليك بعض المعلومات المفيدة.

ب. الأشخاص المثبطين
يعشق هؤلاء الأشخاص التسبب في إحباطك و التقليل من شأن أحلامك و أفكارك , و يقولون كلاماً مثل إن طموحك فيه مبالغة كبيرة و الحياة ليست بالأمر الهين و لا بالسهولة التي تتوقعها و إن حاولت فالمجهود الذي تتطلبه المهمة يفوق إمكانياتك و لذلك لن تستطيع القيام و فعل ما تريد , و أنهم فقط يقولوا هذا الكلام لأنهم يريدون مصلحتك ليس إلا !

إن تركتهم يستمرون في عرض أقوالهم السامة وآرائهم المثبطة فسوف يدمروا آمالك و طموحاتك و هي في مهدها , الأفضل في كل الأحوال أن تكتم أسرارك و لا تبح بها للآخرين حتى لأصدقائك و معارفك لوجود فرصة أن يكونوا من كبار المثبطين الذين سوف تقابلهم في حياتك , لكن إن قمت بعرض أحلامك و قام الآخرين بعملية تثبيط همتك , يجب عليك أن ( تثبّت نفسك ) و ذلك على طريق إرسال رسالة لهم و نفسك أيضاً تقول :
" حلمي لن أتوقف عن محاولة تحقيقه , و أفكاري لن أتركها حتى أجد أنها فعلاً بلا جدوى , لكن خلال رحلتي هذه سوف أتعلم أشياء و أحسن و أطور أكثر في ذاتي , و حتى إن لم أحقق حلمي كاملاً فسوف أفعل الكثير من الأمور الهامة و الجيدة خلال مسيرتي تلك و هذه تعتبر إنتصارات مصغرة "

يجب عليك الإحتراس بشدة من هؤلاء المثبطين و سوف تحتاج لمكافحة هؤلاء ( الأشرار المقنّعين ) بشكل مستمر , و إن لم تفعل فسوف يدكوا همتك و يطفئوا نار حماسك و في النهاية تستسلم و تفشل قبل أن تسير خطوة واحدة بإتجاه حلمك.

ج. الأشخاص المنتقدين :
يغلب على هذه الفئة أن يكون أفرادها من أقاربك و أصحابك أو حتى رئيسك في العمل , و لهذه الصلة يري كل شخص فيهم أن لديه تصريحاً أن يقوم بنقدك و نقد تصرفاتك متى يرى ذلك , بدون أي إعتبار للأثر السيئ الذي يتركه النقد عليك , فالنقد قد يجعلك بائس النفس أو فاقداً للثقة في إمكانياتك و قد يدفعك للعصبية و عدم الرغبة في تنفيذ رغباتهم و آرائهم .

يجب عليك مكافحة المفعول السيئ للإنتقاد الذي قد يوجه إليك أحد أقاربك أو أصدقاءك بتوضيح هذا الأثر , فقل له مثلاً :
" عندما تكشف لي ما تراه عيباً في بهذا الأسلوب أتضايق جداً لأني قد تعرضت للهجوم, فإذا كان التصرف الذي قمت به يزعجك و يثير أعصابك فأخبرني بهذا الأمر دون الإغارة على فكري أو شخصيتي , سوف آخذ أي إقتراح بعين الإعتبار إن كان يدفعني لتحسين و تجويد ما أفعله لأنه يشكل فارقاً مهماً في منهج حياتي " .

هذه  الرسالة قد تحتاج لحفظها و تعديلها عدة مرات , و لاحظ أنك سوف تجد نفسك مضطراً لتكرار سرد هذه الرسالة على أسماع منتقديك و لعدة مرات قبل أن يتفهموا الأمر و يتوقفوا عن جرحك و تخطئتك بأسلوب سيئ .

أما إنقادات رئيسك في العمل فتحتاج أن تستجيب لها بشكل مختلف تطلعه فيه على كيفية الحصول على أفضل مميزاتك بدون أي تجريح لمشاعرك , و من أمثلة هذه الردود السليمة :
" هناك أشياء عديدة قمت بإنجازها بإمتياز فإن أطلعتني على أمر واحد منها أحسنت فيه الصنع و ذلك قبل أن توجه لي هذا اللوم فسوف تحصل مني على أفضل عمل و أفضل أداء لأني سوف أتحمس لأداء المهمة الجديدة بجدية أكثر " .

المهم في أسلوبك هذا أن تقدم لرئيسك – دون شكوى أو تذمر – فكرة أن اللوم و النقد ليس لهما فائدة و الأفضل هو مقارنة عملك بأعمالك السابقة حيث سوف يحثك هذا على زيادة الكفاءة في المستقبل.
بالطبع تستطيع التفكير في إستجابات أفضل و ردود أكثر إقناعاً على هذا المنوال , و كذلك خذ ما تحتاجه من وقت لتحسين أسلوب العرض و خط سير الحديث الذي سوف تعرضه على رئيسك.


رابعاً : تطوير الذكاء البصري

ماذا يعني الذكاء البصري ( أو المرئي ) ؟
يعني القدرة على إدراك صور الأشياء و وضع المجسمات من خلال التخيل مع القدرة على تعديل هذه التصورات أو وضع الأشياء ذهنياً قبل تحويلها إلى واقع .

كذلك يعني هذا الذكاء القدرة على إستعمال الفراغ ( أو الفراغ ) بشتى الأشكال مثل إستخدام النظر فقط للقيام بقياس تقريبي لمسافة معينة أو لتقييم مدى البعد عن منشأة أو موقع جغرافي مطلوب الوصول إليه , و كذلك يستخدم هذا الذكاء للمقارنة بين نوعين من الأشياء على حسب الفراغ أو الشكل أو الحجم , و لذلك يعتمد الإنسان على هذه القدرة في فهم الجداول و المخططات و قراءة الخرائط و تصور المساحات .

و بهذا يمثل الذكاء البصري ( أو الذكاء التصوري ) النظام الذي يستخدمه العقل لفهم و معالجة و مقارنة و تخزين كافة الصور سواء الحقيقية أو التخيلية ليتمكن الإنسان من فهم العالم الذي يتجسد أمام ناظريه و كذلك ليصبح الإنسان قادراً على تصور المنظر بأكمله من تجميع عدة أجزاء غير متكاملة .

فعندما يمر النظر على صورة أو شكل معين يقوم القسم المسئول عن الصور ( ذكاءك البصري ) بالمرور بشكل خاطف عبر ملايين الصور و الأشكال المخزنة سابقاً في الذاكرة للبحث عن أي نمط مرئي متوافق مع الصورة أو الشكل الذي تم رؤيته , فإن عثر على شيء فإنه يظهر لك الشكل المشابه أو يعطيك معلومات عنه من الذاكرة لتقف على فهم مبدئي لهذا الشكل أو النمط البصري الغير مألوف , فمثلاً خلال الرحلات الخلوية تستطيع بإستخدام هذا الذكاء التمييز بين أشكال الطيور و من مسافات كبيرة جداً  من خلال شكل الأجنحة أو وقفة الطائر على غصن الشجرة أو حتى من خلال أسلوب تحليق الطائر.

و بهذا الأسلوب يساعدك الذكاء البصري في تحويل الأشكال الغير واضحة و أجزاء الصور و الأنماط المرئية الغير مفهومة إلى صورة كاملة يمكن فهم معناها بسهولة .

الذكاء البصري يشتمل على عدة قدرات و هي :
1- الوعي الفراغي
يعني إمكانية العقل على فهم كيفية تحرك الأشياء خلال حيز فارغ , و أيضاً القدرة على إجتياز المشاكل التي يدخل فيها مساحات و مواقع مثل القدرة على إستخدام الإتجاهات الأربعة في تحديد أي موقع أو مكان بسهولة أو عن طريق معرفة مكان تم زيارته من قبل يمكن الإنتقال لمكان آخر عن طريقه ببساطة

2- معالجة المجسمات
و هو يعني إمكانية التوافق البصري و الحركي في نفس الوقت لتركيب بعض الأجزاء أو إعادة ضبطها و ترتيبها لإنشاء ( جسم متكامل ) , أيضاً يعني البراعة في تجميل صورة الأشياء و زخرفتها , أو إصلاح الأشياء عموماً.

3- الإنجاز الفني
و يمثل إمكانية إجراء مهمات فنية أو تنفيذ أعمال تتطلب تصميماً هندسياً أو شكلياً أو حساً جمالياً .

لكن ماذا يحدث عندما يتطور ذكاءك البصري
1- تنمو لديك القدرة على إستعادة و تذكر ما تشاهده من مناظر و أشخاص , و كذلك تصبح أكثر قدرة على وصف هذه الصور التي تتذكرها في خيالك , و عندما يتم تدريس المعلومات بشكل يغلب عليه الصور و المشاهد سوف تصبح أكثر قدرة على التعلم و الإستيعاب.

2- يزيد وعيك و إدراكك لكل صور الأشياء و أشكالها التي تراها , و كذلك تستطيع تغيير و تعديل منظرها , فمثلاً يمكنك إبصار الأشياء المقلوبة بشكل سليم إذا قمت بتعديل وضعها ( في خيالك ) إلى الوضع الصحيح.

3- سوف تصبح أكثر قدرة على ترجمة أفكارك و مشاعرك إلى رسوم مرئية تعبيرية , حيث سوف يساعدك ذكاءك البصري في إكتشاف حلول متفردة و إبتكارات جديدة لوضع مشاعرك و آراءك و أفكارك في كافة المشكلات و القضايا على هيئة صورة يمكن مشاهدتها بالعين.

4- أي مهمات تتطلب ألواناً من التصميم الفني مثل التصوير أو الرسم الزيتي أو تصميم الأزياء تصبح فيها أكثر براعة .

5- أي أنشطة تحتاج إلى التخيل و إنشاء صور في الذهن أو تستلزم ذاكرة بصرية سوف تستمتع بها جداً لإمتلاكك قدرة أعلى على تخيل الأشكال و تصور الأفكار , أما تخيلاتك البصرية أثناء يقظتك ( أحلام يقظتك ) سوف تصبح أكثر قوة ووضوح حيث سوف ترى تصوراتك أكثر نصاعة و إشراق إذا ما سرحت بخيالك.

6- سوف يزيد إهتمامك و تذوقك لأي فنون بصرية و تعبيرية مثل النحت و التصميم المعماري و تصميم الحلي و الأزياء , و إن كنت تدرس إحداها سوف تصبح من المتميزين في هذا الفن .

المهن و الأعمال التي سوف يتميز فيها أصحاب الذكاء البصري
مصور , مصمم فوتوغرافي , مصمم رسوم متحركة , رسام , مصمم ديكور داخلي , مصمم مواقع , لاعب شطرنج , ميكانيكي , مخطط أو مهندس , بحار , نحات , مستكشف.

الأسلوب الصحيح لتنمية الذكاء البصري
أقوى الوسائل التي تدفع ذكاءك البصري نحو التحسن هو زيادة و توسيع قدرتك على التصور و التخيل , و التصور يعني القدرة على إنشاء صور في العقل للأشخاص و الأدوات و الأشياء و الأحداث بشكل أقرب إلى الحقيقة .

و الشيء الذي يفسر كيفية تحسن ذكاءك البصري أنك إذا قمت بتحسين قدرتك على التخيل تصبح أكثر قدرة على إدراك و تصور الأشياء المعقدة أو المسارات الملتوية لأي حدث و تخيلها بشكل أوضح و هذا يؤدي بدوره لتحسن ذكاءك البصري بشكل كبير.

و هناك ثلاثة طرق مؤكدة لتطوير ذكاءك البصري من خلال إستخدام التخيل فقط و هي :

1- إستخدام التخيل في تقوية الذاكرة البصرية
أفضل طريقة لتقوية ذاكرتك البصرية التي هي أصل الذكاء البصري ننصح بقراءة الكثير من القصص و الروايات الممتلئة بالأمور الغير منطقية أو المعقولة , فعندما تقرأ أحداث الرواية ينشئ عقلك ( على الرغم منه ) صوراً مرئية للأشخاص الموجودين في القصة و الأشياء و الأدوات التي يستخدمونها و الأماكن التي تدور فيها أحداث القصة , و ربما أيضاً تسمع الكلام الذي تتحدث به شخصيات القصة و لكن بالطبع في خيالك .

و طبعاً سوف تنطبع هذه الشخصيات و الأماكن و الأحداث في ذاكرتك مما يؤدي مع التمرين المستمر إلى إثراء و تطوير ذاكرتك المختصة بالتعامل مع الصور.

و الطريقة المثلى لإستخدام التخيل لتقوية الذاكرة البصرية أنك بعد أن تقرأ فصل من رواية خيالية عليك أن تسترخي على مضجع أو فراش مريح , ثم قم بإغماض عينيك و إبدأ في إستعادة و تذكر المشاهد التي قمت بإنتاجها في عقلك خلال قراءتك لأحداث الرواية و هذه المشاهد من الأفضل أن تكون على هيئة صور ذات ألوان .

عليك بالإستمرار في عملية الإستعادة و التذكر هذه حتى تنتهي من إستعادة و إسترجاع كافة أحداث الفصل الذي تم تخيله من الرواية .
و تستطيع بالطبع إعادة و تكرار هذه العملية مع إضافة تحسينات لمناظر الشخصيات و الأماكن و الأدوات , و بالقطع تستطيع إعادة توجيه الأحداث بالشكل الذي يروق لك.

2- إستخدام التخيل في تعلم المهارات
أ. بعد أن تستيقظ من نومك و قبل أن تتحرك من سريرك عليك بإستخدام قدرتك على التخيل لصناعة قائمة ( مصورة ) للأعمال و المهام التي عليك أداؤها بطول يومك الكامل.
قم بالتفكير في أي المهام أو الأعمال يجب عليك إتمامها خلال ساعات يقظتك ثم تخيل صورة تعبر عن إنجازك لكل عمل أو مهمة مطلوب عليك إنجازها خلال اليوم , ثم قم بترتيب القائمة كلها في ذهنك بشكل تخيلي و إستعراضها.

ب. قبل البدء في عمل ذو صعوبة أو قبل القيام بمشوار لمهمة ما عليك أن تتصور أفضل أسلوب لأداء العمل أو المهمة قبل الوصول حتى لمقر العمل, أو قم بصناعة لقطات تخيلية من مشوارك أو رحلتك قبل البدء فيها , فهذا التخيل سوف يقدم لك العون على توقع أي مصاعب أو عراقيل سوف تصطدم بها خلال العمل أو المشوار فتصبح أكثر إستعداداً لها.

ج. إن كنت تحب مهارة فنية معينة و تريد أن تتعلمها أو تتحسن فيها , فإبدأ أول خطواتك و تخيل أنك تقوم بالمهارة الفنية التي تحب إكتسابها بأعلى درجات الإجادة  
تصور نفسك تقوم بالمهارة مثلما تؤدي أي مهارة تحوزها فعلياً , و هذا التكنيك سوف يستفز أعصابك و خلاياك المخية فتصبح أكثر إستعداداً لإستيعاب و فهم أساليب و تقنيات هذه المهارة الفنية , و بهذا تكون مؤهلاً لإكتساب المهارة الفنية و إجادتها في وقت قصير.

3- إستخدام التخيل في تغيير العادات السيئة و التصرفات الرديئة
يدعي علماء النفس أن الإنسان يقوم بالعمل أولاً في عقله قبل أن يؤديه في الواقع , حيث يشكل العقل و بسرعة خاطفة تصورات ذهنية لما يجب أن يتم فعله حتى لو لم تكن الصورة كاملة أو لها إدراك تام في الوعي , و مثال على ذلك أنك قبل نزولك سلالم بيتك يتخيل عقلك الباطن الأسلوب و كيفية القيام بهذا النزول , و بمضي الوقت يتم حفر صورة التصرف أو الفعل في عقلك لتقوم بنزول السلالم بنفس الطريقة و بالأسلوب نفسه كل يوم.

و لأنك قد قمت بنزول السلالم آلاف المرات يصبح تصرف ( نزول السلالم ) تلقائياً لا يحتاج لأن تفكر فيه من الأساس و ذلك لوجود صورة تم تخزينها في عقلك تبسط لك أسلوب الأداء .
و هذه الحقيقة المستقاة من علم النفس تفسر سر الفشل الكبير لمعظم الناس الذين حاولوا تغيير عاداتهم و تصرفاتهم الردئية و السيئة و فشلوا في وقت قصير, و ذلك لأن لهذه العادة الذميمة صورة محفورة في الذهن يجب على الإنسان التصرف وفقها .

و على سبيل التوضيح نرى أن الكثيرين يحبون تناول وجبات دسمة غنية بالكربوهيدرات و الدهون على وجبات الغذاء و ذلك لأن الصورة المحفورة و المثبتة في دماغهم أن الطعام لابد أن يكون دسماً في وجبة الغذاء .
كذلك الذين إبتلوا بعادة قضم الأظافر عند الشعور بالقلق , ففي كل الأحوال الذي يحدث فيها القلق يجد هذا الإنسان نفسه مضطراً لفعل هذا التصرف و بشكل قهري , و ذلك لأن الصورة الموجودة في مخيلته تضطره إلى هذا كأسلوب سريع لتخفيف القلق.

و الواضح في هذا المبدأ النفسي أنه لا يمكن تغيير السلوكيات و التصرفات و العادات الغير مرغوب فيها إلا بعد تغيير هذه ( الصورة اللاشعورية ) الموجودة في المخيلة و التي لها مرادف من التصرفات و العادات يجب فعله و طبقاً لهذه الصورة ليتفاعل الإنسان مع مجتمعه و بيئته .
و أسلوب تغيير العادات السيئة هو إستخدام قدرة ذهنك على التخيل و التصور لتغيير الصورة الموجودة في لا شعورك ( و التي تضطرك لسلوك أو رد فعل تلقائي سيء ) إلى صورة مخالفة لها تصرف له قيمته و رد فعل صحيح , و هذا الأسلوب يمثل أفضل الفوائد الناتجة من هذا التخيل.

و الأسلوب سهل في تحقيقه , فمثلاً إذا كنت من محبي إلتهام الوجبات الدسمة الغنية بالدهون و ترى أنه سوف تعاني من مشكلة سمنة بمرور الوقت , يمكنك تخيل نفسك تستمع أثناء إلتهامك لوجبات صحية و خفيفة و مغذية و مصاحبة لأطباق من الخضروات و الفاكهة , و كل هذا لا يسبب لك أي مشاكل صحية , بل سوف يقدم فوائد و تغذية سليمة.

عملية التخيل هذه يجب أن تقوم بها بإستمرار لكي تحفرها في ذهنك و تزيح بذلك صورة وجبات الغذاء الدسمة و تطمسها تماماً , كذلك إن كنت تريد التخلص من شعور التوتر الشديد عندما تزيد عليك ضغوط العمل , و أيضاً إن كنت تريد حيازة الثقة في أنك خلال أشد ساعات العمل ضغطاً عليك سوف تتمكن من إنهاء جميع الأعمال المطلوبة منك.

لكي تتخلص من هذا الشعور البغيض عليك بالإكثار من تصور منظر نفسك و قد أنهيت كافة المهام و الواجبات و أنت ممتلئ بالسعادة و الثقة .
و عندما تكرر هذه الصورة التي قمت بإنشائها حديثاً سوف تجدها في النهاية محفورة في ذهنك و مثبتة بشكل نهائي , أما الصورة الغير مرغوبة و التي تسبب لك الشعور بالتوتر فسوف تزول شيئاً فشيئاً.

خامساً : تطوير الذكاء المنطقي

يعني هذا الذكاء ترتيب المعلومات و الحقائق و بناؤها فوق بعضها لتحقيق نتيجة لها قيمة و معنى , و هذا الذكاء يشمل القدرات التحليلية و التركيبية للعقل و إمكانياته المجردة للوصول لحلول لأي مشكلة فكرية تعترض الإنسان .
يدور هدف الذكاء المنطقي ببساطة حول فكرة أن ( 1+1=2 ) , فهو ذكاء مصمم لتحديد ما إذا كانت المعلومات المعروضة على العقل تعني شيئاً أم لا و هل تضيف معنى أم أنها ضياع للوقت.

و هناك عبارات تمثل ذكاءك المنطقي خير تمثيل مثل:
" إلتهامي الكثير من الحلويات هو سبب زيادة وزني في الأسابيع الأخيرة " أو " عندما قمت بزيادة عدد الساعات التي أقوم فيها بمراجعة و مذاكرة دروسي تحسنت درجاتي و تقدم مستواي التحصيلي بدرجة كبيرة ".
ربما تعتقدوا أن الذكاء المنطقي التطور فيه صعب المنال , لكن مع التدريب المستمر و الصحيح سوف يبدو الأمر سهلاً عليكم , و سوف نعرض عليكم ثلاثة وسائل تدريبية يجب القيام بالتدرب عليها يومياً لإحداث أثر إيجابي على ذكاءكم المنطقي.

أولاً: إلتقاط المنطق المزيف
الكثير من الناس الذين تقابلهم في الحياة لهم أهداف خاصة بهم و لذلك يضطروا لخداعك و تضليلك بإستخدام ( منطق مزيف ) لتنحاز إلى صفهم , و أبسط شيء يبين معنى ( المنطق الزائف ) هو وضعهم بعض المعلومات و الحقائق بأسلوب معين لتعني شيئاً يتم فهمه و لكنهم في واقع الأمر يقصدون شيئاً آخر.

و يعتمد المنطق المزيف في النجاح و السيطرة على قدرة صاحبة في إستخدام طرق ملتوية لإخراج فكرك و إبعاده عن الوصول للمنطق الصحيح , و لكن بمقدورك الوصول لأي منطق مزيف و إكتشاف أي ألاعيب تضليلية يتعمدها الآخرين و ذلك من خلال التدريب الصحيح و المستمر على تحديد و إقتناص أساليب التضليل و التزييف.

و قد تم التعرف على سبعة أسليب تضليلية ( أو فخاخ فكرية ) يضعها المروجون لبعض الأفكار الخادعة و الزائفة بهدف دفعنا إلى صفوفهم و الإنحياز لما يعتقدونه, و ها هي الفخاخ :

1- الإستشهادات المزيفة :
عن طريق تصريحات و شهادات الآخرين ( الغير مثبت صحتها ) يحاول مروجو المنطق الزائف إثبات صحة ما يزعمون و هو نوعان :

أ. الإستشهاد بأقوال شخصية مشهورة
عندما يصل إنسان ما إلى شهرة كبيرة في مجال لا يعني ذلك أنه ذو خبرة هائلة في كافة المجالات و بخاصة في دائرة المجال الذي يتم التناقش حوله , ربما هذا الشخص المشهور لا يعلم أي شيء في نطاقه.

ب. الإستشهاد بأحد الخبراء
لا تعني خبرة الشخص أنه معصوم من الخطأ و الحق هو ما ينطق به , فأي خبير قد يخطئ في فهمه لحالة يقابلها , أيضاً عندما يتم إستخدام رأيه المسبق يجب هنا الإنتباه إلى أن هذا الرأي كان عن حالة أخرى ربما تتشابه مع الحالة التي يتكلم عنها المروج لمنطق يحاول فيه إثبات صحة قضيته.

و طبعاً أي مسألة أو قضية يمكن أن تدور حولها عدة آراء و يخرج منها عدة حلول و لهذا من الطبيعي إختلاف الخبراء الذين يعملوا في نطاق معين من الآراء و أساليب الحل.

2- التشبيهات و المقارنات الخاطئة
مروجو المنطق الزائف قد يقوموا بصناعة مقارنة أو تشبيه بين أمرين لا يصح المقارنة أو التشبيه بينهما بهدف خلط فهم المسألة على عقلك للوصول إلى هدف يصب في صالحهم .
و على سبيل المثال قد يقول أحد المروجين للمنطق الزائف: " الناس في هذا المجتمع يتصارعون كالذئاب , و إن أغمضت عينيك لثانية فسوف يلتهمونك " , و طبعاً ليس كل البشر ذئاب , بل إن كثير منهم طيب و وديع أكثر من الحملان .

3- التعميمات الخاطئة
التعميم في حقيقة الأمر يعني إستخراج مفهوم من خلال تحليل أوجه التشابه بين العديد من الأمور المنفصلة , لكن التعميم الخاطئ يحدث فيه إما ربط بين مفاهيم ليس لها علاقة ببعضها للوصول إلي نتيجة لها معنى عند مروج المنطق الزائف و الذي لا يهمه صحة التعميم من أساسه مثل تعميم " إن في هذا العالم حضارات عليا و حضارات دنيا "  و الخطأ هنا عدم وجود العلو و الإرتفاع في مفهموم الحضارة لأن الحضارة تعني الإستمرار في السعي نحو أرقى أسلوب في الحياة .

و إما أن يتم الجمع بين عدة مفاهيم ( لعقلنة ) نتيجة خاطئة , و تظهر هذه التعميمات الخاطئة في شكلين :
- تعميمات التبرير الخاطئ : مثل ( أنت لست صديقي و لا تحبني لأنك لا تتصل بي أو تزورني ) .
- تعميمات متسرعة : يتم فيها الوثب إلى الهدف أو النتيجة بناء على أقل حد من المعلومات و حتى قبل معايرة و وزن كل دليل , و كمثال:
( المقال الذي نشرته في الصحيفة أعجب خمسة من أصحابي , و لذلك عندما أقوم بنشره على موقعي الخاص سوف يعجب به الملايين من الناس ) .

4- محاولة تأكيد علاقة بين حدثين متتابعين
مثال على ذلك: " عندما إشتريت هذا الهاتف المحمول و بدأت في إستخدامه بدأت أيضاً أشعر بألم في أسناني ! أكيد أن هناك نوعاً من الإشعاع يصدر من هذا الهاتف و كان السبب وراء الألم " .

5- الخيار المضلل الزائف
إذا قمت بإنتقاء إختيار معين فإن أصحاب المنطق الزائف لكي يقوموا بإبعادك عن هذا الإختيار أو الإتجاه الذي إخترته مسبقاً فإنهم سيقوموا بتأكيد أن كل نتائج و عواقب هذا الإختيار سوف تكون وبالاً عليك و لن تجني منه شيئاً , لكن هذا الأسلوب مضلل لأن هذا الإختيار يمكن أن تكون له إحتمالات لها مردود إيجابي و فائدة كبيرة أيضاً .

6- مهاجمة ذات الشخص و ليس أفكاره
و هذا الأسلوب يهدف لعدم إستحسان أي أفكار أو مقترحات مقدمة من شخص معين حتى لو كانت هذه المقترحات مفيدة و بالتالي لن تتم الموافقة عليها , و يتخذ الهجوم شكلين رئيسين :
- مهاجمة الشخص في ذاته : حيث يتم تبرير ( الرفض ) لكل ما يفكر فيه هذا الشخص أو يقترحه بسبب حدوث أخطاء سابقة منه أو صدور بعض التصريحات الغير مريحة من قبله.

- مهاجمة الشخص بسبب معارفه: لأن هذا الشخص ينتمي إلى فئة معينة أو لديه صلات و إرتباطات إجتماعية من معارف و أهل لا يمكن الإعتماد عليهم و لا الثقة بهم , حيث يتم النظر إليهم بدونية , كل هذا يبرر إستهجان كل أفكاره و عدم الإهتمام بكل مقترحاته و إستنكار كل ما يصرح به.

7- إستغلال المشاعر و التعاطف:
مروجو المنطق الزائف لكي يزيغوا بصرك عن ضعف مقترحاتهم يقوموا بتقديم وصف لها يحرك مشاعرك و يدفعك للتعاطف معهم بدون عقلانية و بدون الدخول معهم في مناقشة حول مقترحهم هذا و مواطن العجز أو المآخذ الموجودة فيه , و على سبيل المثال قد يروجون لخطة و يقولوا " إن الخطة التي نقدمها لابد منها لتغذية مليون طفل يعانون المجاعة و المساعدة بالتبرعات تعني حصولهم على وجبات مغذية تقيهم شر الموت و الأمراض ".

في هذه المقولة يتم دفعك للتعاطف مع هذا الكم الهائل من الأطفال التعساء و الجياع فقط لكي لا تستفسر عن أهم الأسئلة مثل:
كيف تم تحديد عدد الأطفال الجياع بالضبط ؟ و هل لديكم الإمكانات اللازمة لتقديم وجبات غذائية بشكل يومي لهذا العدد المهول من الأطفال ؟ هل هناك مشتركين و معاونين لكم في خطتكم هذه ؟

تستطيع أن تدرب عقلك على إكتشاف هذه الفخاخ عن طريق مشاهدة أحد برامج الحوار و المناقشة , و هنا سوف تحاول إكتشاف كيف يقوم كل طرف بطرح أفكاره و أرائه و ذلك بشكل متزامن مع رصد كيف ينتقد آراء الطرف الآخر.

و سوف تذهل من حدة ذكاءك المنطقي إن إستطعت القيام بشيئين بسيطين خلال عملية الإنصات:
1- حدد هل الدليل المطروح يؤيد الفكرة أم لا
مثال : عمل خمسة حوادث في بضعة أشهر يدل على أنك لا تحسن قيادة السيارات !

2- حدد أمرين خلال المناقشة و إرصد ما إذا كان هذين الأمرين يضيفان لبعضهما أم لا لتبرير نتيجة معينة , مثال على ذلك : " ربما يكون خروجي للعمل بملابس خفيفة له علاقة بالبرد الذي أعياني "
هذا هو الشكل الطبيعي عند جمع واحد مع واحد للحصول على إثنان , فأنت هنا ترتب و تبني الحقائق فوق بعضها لتصل إلى بعض النتائج ذات القيمة .

قد تحتاج لورقة صغيرة لكي تكتب عليها عناوين الفخاخ و أساليب التضليل أولاً , و كلما بدأ أحد طرفي الحوار في إستخدام أحد الفخاخ المنطقية الزائفة تقوم بوضع علامة بجانب إسم المكيدة .
و في آخر الحوار تقوم بتحديد أي الطرفين أكثر خبرة في أساليب الخداع و التضليل من خلال عد العلامات.

ثانياً: دحض و تفنيد معتقدات زائفة و راسخة في ذهنك
المعتقدات هي فرضيات مستقاة من فهمنا الغير كامل للعالم و كذلك من المواقف و التجارب التي إجتزناها , و أيضاً قد نصل لإعتقاد معين من خلال آراء أشخاص لهم ثقة كبيرة أو من تلقين سلطة معينة , ببساطة المعتقدات هي حكم ذهني مسبق يشير إلى تثمين و زيادة قيمة رأي معين لكنه يقبل الشك.

هذه المعتقدات تكون غاطسة أسفل سطح وعي الإنسان و لذلك لا يدرك أنها موجودة من الأساس لكنها تؤثر بشدة على الإنسان الذي لا يعرف أثرها على سلوكه.

أي فكر أو رأي تعتقد فيه لا يعني أنه صواب و لا يعكس الحقيقة بل يعكس ما تعتز به فقط , و لذلك إذا تم إنشاء هذه المعتقدات على أساس خاطئ فقد تدخلك في مواقف غير سليمة و توجهك في إتجاهات غير صحيحة و قد تحطمك و تسيء إلى من تتولى أمرهم .

لذلك إن إستطعت إكتشاف معتقداتك الزائفة يمكنك في هذه الحالة إعادة صياغة فهمك الشامل للعالم بأكمله و تكون أكثر إقتراباً من الحقيقة و أكثر ثباتاً عليها , و الإستمرار في تغيير و تحسين معتقداتك الزائفة سوف يساعدك كثيراً على تطوير و تحسين ذكاءك المنطقي للأفضل و بسرعة .

كيفية إكتشاف معتقداتك الزائفة

قم بهذا التمرين :
سوف تحتاج مدة نصف ساعة على مكتب لكي تفرغ على ورقة الكثير من المعتقدات و التي تشمل كلمة " في إعتقادي ... " غالباً
مثلاً: أعتقد أن الناس يتجنبوني و يرفضوا صداقتي لأني سيء الطبع

أما كيف تتجرد من هذا المعتقد السلبي
عليك أن تراجع هذا المعتقد في ذهنك من خلال إستعراض مواقف عديدة حدثت لك , ربما ترى خلال ذاكرتك بعض المواقف التي أسأت فيها الأدب مع بعض الأشخاص , لكن هل كل المواقف التي تحتك فيها بآخرين تقوم بهذه التصرفات السيئة أم أنك فقط قمت بهذه التصرفات السيئة رداً على إمتهان أو إزدراء من الآخرين و سوء معاملة .

سوف تحتاج لمراجعة هل أسلوبك في الرد على الآخرين سيء و وقح , و هل إندفعت و لم تبالي بمشاعر الآخرين , و إن كانت الإجابة أن سوء الطبع هو رد فعل على أساس بالظلم و الكيل بمكيالين من قبل الآخرين و أن أسلوبك في الرد هو أفضل ما فعلته بل لم يكن هناك أفضل من هذا , عليك أن تسأل ( لماذا أعتقد هذا الإعتقاد ؟ ) .

كثير من الأشياء قد تدفع الآخرين لتجنبك غير سوء الطبع , فربما يتجنبك الآخرين لعدم إستحسانهم شكلك و منظر ثيابك أو لأمور أخرى يمكن تداركها , لكن المهم أن إعتقادك ( المزيف ) تم دحضه و الناس لا تتجنبك لسوء طبعك بل لشيء آخر تحتاج لمعرفته و فهم أثره.

مثال آخر:
يمكنك التدرب على هذا التمرين أثناء جلوسك و أنت تنتظر دورك في مكان أو منشأة معينة , و هنا قم بإختيار أحد ( المعتقدات العامة ) بالنسبة لديك , و يمكن أن يكون المعتقد سلبياً أو إيجابياً على حسب ما تريد ثم قم بمراجعته بشكل إنتقادي , مثلاً ( إمتياز الذكورة ) هو مصطلح لمزايا أو حقوق إجتماعية أو إقتصادية و سياسية تتاح فقط للرجال على أساس جنسهم , و قد يحصل ذكر على إمتيازات إضافية بخلاف هذه الفوائد بناء على أسس أخرى مثل العرق و المكانة الإجتماعية و المكانة المادية .

إسأل نفسك " هل الإعتقاد العام بأن الذكور أفضل من الإناث هو إعتقاد صحيح ؟ " قد تحتاج للتفكير بعض الوقت في الإجابة عن هذا السؤال بفكر منفتح و بضمير حي.
ربما تفضل الإيمان بهذا المعتقد و تقول أنه صحيح ( لأنك ذكر ! ) , لكن إن قررت أن هذا المعتقد ( غير صحيح ) و ذلك بعد تفكير عميق أو بعد تجربة معينة .

سوف تحتاج للتفكير في أثر هذا المعتقد المربك على سلوكك و الموجه لتصرفاتك في إتجاهات خاطئة , و سوف تحتاج لسؤال نفسك مرة أخرى " ما هو الإعتقاد الأفضل من هذا لكي تتصرف على نحو أمثل ؟ ".

ثالثاً : قم بمغامرة و سافرة
من أنجح الطرق التطبيقية و العملية لتحسين الذكاء المنطقي هو القيام بمغامرة آمنة ! هل أردت يوماً زيارة إحدى الواحات في الصحراء و التي تحتاج لرحلة سفاري للوصول إليها ؟ هل أردت الغطس في أحد البحار أو منطقة في المحيط ؟

ماذا لو سافرت إلى مدينة مختلفة كل فترة معينة ؟ مهما كان بلدك صغير لماذا لا تجرب و تزور مدينة أو منطقة ريفية عادية أخرى من مناطق بلدك.
تحتاج أولاً للبحث في الخرائط أو على شبكة الإنترنت على مدينة أو منطقة ريفية أو جبلية , و قم بدراستها و إستوعب أكثر معالمها الأساسية , بعد ذلك حدد ميزانية رحلتك و هل ستسافر لوحدك أم مع أصدقائك و حدد وسيلة المواصلات.

بعد ذلك عليك أن تغامر و تسافر إلى هذه المنطقة الجغرافية لقضاء بعض الوقت فيها , خلال ذلك عليك بالتفتيش و البحث عن معالمها الأساسية و مبانيها الأثرية و حدائقها العامة , أيضاً عليك بالتفاعل مع الناس و عقد صلات إجتماعية بسيطة معهم و سؤالهم عن مميزات مدينتهم أو قريتهم , فكل منطقة بالعالم تتميز بأمر ما , كل هذه الأشياء عبارة عن مغامرات بسيطة و آمنة تعطيك الكثير من الإثارة و تمدك بالكثير من المعرفة و سبل التعلم التطبيقية و إكتساب الخبرات.

و خلال هذه المغامرات سوف يتطور ذكاءك المنطقي أكثر لإستخدامه لحل الكثير من المشاكل و العراقيل التي سوف تقف في طريقك حتماً أثناء مغامراتك , و الآن هل تجرؤ على السفر؟


سادساً : تطوير الذكاء الحركي أو البدني

يعني الذكاء الحركي قدرة الإنسان على التحكم المنضبط و الملائم في عضلات و مفاصل جسده للتمكن من أداء مهمة لا يمكن إتمامها إلا بتحريك الجسد بأسلوب خاص , مثلما يتحرك و يفعل الحرفيين و الرياضيين و الممثلين و البهلوانات و الراقصين .

و أصحاب الذكاء الحركي المرتفع يتميزون بأنهم يستمتعون بالحركة و يعتمدون عليها في حياتهم بشكل كبير , كما أن تعلمهم يتحسن بشكل كبير إن كان يتم فيه إستخدام حركات الجسد و الأيدي , أفضل مما يتعلمون من خلال الصور أو الإنصات للقصص و المحاضرات.

و هناك عدة أساليب بسيطة و فعالة لتطوير ذكاءك الحركي:

1- إبدأ في البحث عن هواية مرتبطة بأحد المهارات اليدوية
إختيارك لحرفة يدوية أو هواية تحتاج لمهارة حركية خاصة سوف يؤدي إلى دفع مخك للعمل بشكل لم تكن تقوم به من قبل , و من خلال التعلم المتراكم و إكتساب المهارات اليدوية بالإضافة إلى الفن و الإبداع ( المحدود ) سوف يتطور ذكاءك الحركي أو البدني بشكل مستمر .

و لذلك إنتقي هواية يدخل فيها أي عمل يدوي أو تعتمد فيه على أداء حركات معينة و يستخدم فيها أدوات بسيطة و مواد رخيصة مثل صناعة بعض الأدوات المعدنية , صناعة الخشب المطعم , أعمال الزجاج الملون , التطريز و الخياطة , البستنة .... إلخ

قد تحتاج أولاً أن تحصل على بعض المعلومات أو تأخذ دروس من خبراء في هذه الهواية قبل أن تبدأ في أداء بعض المهارات و الأمور الفنية الخاصة بها , و بالطبع تساهل مع نفسك في البداية و كن متفهماً أنك سوف ترتكب أخطاء عند قيامك بأول الحركات أو المهارات فيها , فهذا شيء طبيعي جداً.

فحتى تكون مالكاً لذكاء حركي أكبر يجب أن تتعلم مهارات حركية جديدة و تقوم بأداء مهمات تؤدي لتنشيط مخك بأساليب مختلفة من خلال إستخدام مناطق لا تستخدمها عادة في المخ و لكنها تتحكم في الكثير من عضلاتك الجسدية , فالمخ يصبح نشطاً أكثر من خلال وفرة المعلومات التي يحصل عليها و يستخدمها .

و هنا أنت لست بحاجة لإتقان هذه المهارة أو الحرفة اليدوية بأعلى مستوى , المسألة ليست أن تصل للأستاذية في هذه المهارة اليدوية بل أن تقوم بتطوير ذكاءك الحركي و البدني بإستمرار, و لذلك فقيامك يومياً بمحاولة إدراك معنى معلومة عن المهارة اليدوية التي تريد أن تتخصص فيها و تحصيل أبسط الأشياء من المعرفة سوف يكون خير تمرين يصل بمخك و ذكاءك الحركي إلى أعلى مستوياته.

في المرحلة الأولى من مراحل تعلم الحرفة اليدوية أو الهواية الحركية يجب عليك العمل عليها بشكل دوري و مستمر لتجاوز مرحلة المبتدئين من مراحل الإتقان و بعد ذلك سوف تحتاج أن تقرر هل سوف تستمر بالعمل عليها أم سوف تتركها و تنتقل لحرفة يدوية أو هواية أخرى ترى أنها تثير شغفك أكثر.

2- مارس أنشطة بدنية بسيطة بإستمرار
من أبسط أنواع النشاط البدني ( صعود السلالم ) ! و بالرغم من إرتباط صعود السلالم ( كنشاط بدني ) بتحسين صحة و لياقة الجسد , لكن دراسات حديثة أكدت أن الإستمرار في فعل هذا النشاط البسيط يساعد في الإبقاء على مخ الإنسان سليم و صحيح حتى مع التقدم في العمر.

فقد أظهرت دراسات لباحثين مهتمين بلياقة المخ بجامعة كونكورديا أن كثرة صعود الإنسان درجات السلالم ترتبط طردياً مع زيادة صحة و شباب مخه , و يعني شباب المخ أن الإنسان و مع تقدمه في العمر لا يتعرض لخسارة جسيمة في خلاياه العصبية المخية .

و قد إستخدم الباحثون جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي لفحص أدمغة المئات من الأشخاص البالغين و ذوي الصحة الجيدة و ذلك لمعرفة و تحديد حجم المادة الرمادية في مخ كل فئة عمرية من الأشخاص الخاضعين للإختبار , و تحديد مدى إنكماش حجم المخ عندما يفقد خلاياه العصبية بتقدم صاحبه في العمر .

و لأن نشاط صعود درجات السلالم يفعله كل إنسان لذلك سهل على الباحثين مقارنة حجم المادة الرمادية في مخ الأشخاص الخاضعين للإختبار من كل فئة عمرية  متوسط صعوده اليومي لدرجات السلالم , فوجد الباحثون أن عمر المخ يقل بمعدل نصف عام تقريباً عند صعود المرء يومياً عشر مجموعات من السلالم عدد درجاتها عشر درجات في المتوسط.

و قد بينت صور الرنين المغناطيسي هذه العلاقة العكسية بين إنكماش المادة الرمادية في مخ الإنسان و مدى نشاطه في صعود درجات السلالم.

و الصيحة التي تصدر من هذه الدراسة : إستمتع بصعود أي سلالم تقابلها سواء أكانت درجات سلالم بيتك أو سلالم مقر عملك أو أي سلالم تقف أمامك, و إمتنع قدر الإمكان عن صعود البيت من خلال المصعد , تخلى عن المصاعد و إستخدم السلالم متى وجدت إليها سبيلاً و حتى لو كنت كبيراً في العمر قم بذلك بهدف الحفاظ على صحة و شباب مخك فأبسط مجهود جسدي تفعله هو صعود درجات السلالم و الذي يعتبر أبسط رياضة.

3- مارس أحد تمارين التنفس قبل القيام بأي مجهود
لكي يبقى المخ في حالة يقظة و صحة دائمة و كذلك تحفز لأداء أي مهمة تعترض صاحبه فأفضل ما ينصح به أطباء المخ و الأعصاب هو ممارسة أحد تمرينات التنفس , فهذه التمرينات تساعد على تنشيط الدورة الدموية في الدماغ و هذا يعني زيادة إمدادات الخلايا العصبية بالدم الحامل للعناصر المغذية و كذلك زيادة في نسبة الأكسجين الذي يتوق إليه المخ , و بهذا تصبح الخلايا العصبية المخية نشيطة و تقوم بأداء وظائفها على أفضل وجه , أيضاً هذه التمرينات تخفض من نسبة فقدان المخ لخلايا العصبية المخية .

ببساطة تزيد تمرينات التنفس من نشاط الخلايا العصبية المخية و هذا يؤدي بدوره لزيادة اليقظة و سرعة التفكير , كما أنها تحسن من قدرات المخ المهارية و الإبداعية و أيضاً تحسن الذاكرة عند ممارسة هذه التمرينات بشكل دوري و متكرر , و كل هذا يعزز بشكل إيجابي من أداء المخ و بخاصة القسم المسئول عن الذكاء الحركي و إمكانيات المرء البدنية.

قبل أن تقوم من سريرك و قبل أن تبذل أي مجهود جسدي مرهق أو تبدأ في ممارسة رياضتك المحببة , عليك بدفع المزيد من الدم المحمل بالأكسجين و المغذيات إلى مخك من خلال تمرين التنفس البطيء .

الأسلوب الصحيح لأداء تمرين التنفس البطيء :
- قم بالإستلقاء على فراش أو إجلس على كرسي مريح مع وضع كل ساعد على أحد ذراعي الكرسي لتوسيع الرئتين .
- إبدأ في أخذ شهيق عميق و ذلك حتى الوصول للرقم ( 4 ) ثم إحبس نفسك لعدد ثانيتين ثم أطلق الزفير ببطء حتى الوصول للرقم ( 4 ) .
- إستمر في أداء و ممارسة هذا التمرين لمدة خمس دقائق , خلال هذه المدة سوف يندفع الدم الغني بالأكسجين و العناصر المغذية إلى مخك و سوف تجد نفسك و قد أصبحت يقظاً و حاد الذهن و هذا يؤدي بدوره لجعلك نشيطاً و قادراً على بذل أي مجهود.

4- مارس أي رياضة تروق لك
الممارسة المنتظمة لأي رياضة أو تمارين يؤدي إلى تحسين الصحة العامة و تقوية الإمكانيات البدنية و بالطبع أي إنسان يعرف هذه المعلومة البديهية , فأي تضمين لأنواع بسيطة من التمارين الرياضية في برنامجك اليومي يؤدي إلى تنشيط الدورة الدموية بشكل كبير في الجسم و كذلك يؤدي إلى زيادة إنتاج الهيموجلوبين في بلازما الدم ليستطيع تحمل طلبات الخلايا الزائدة من الأكسجين لكي تؤدي عملها .

و لكن الممارسة الدورية لأي رياضة لها مميزات أخرى تتعلق بتحسين المخ و الذكاء , فعندما تقوم بأداء بعض التمرينات الرياضية الخفيفة ( التي لا تؤدي لإجهادك الجسدي الشديد ) سوف تدفعك لتحسين نشاطك الذهني و النفسي من خلال وصول كمية كبيرة من الأكسجين إلى المخ , كما أن الرياضة سوف تؤدي إلى تطوير ذكاءك الحركي ( أو البدني ) عن طريق تطوير سيطرتك على عضلاتك و مفاصلك و الذي يؤدي بدوره لتحسين مهاراتك الحركية الجسدية .

و ننصح هنا بشراء دراجة و قيادتها بصفة يومية لدفع مخك و جسدك للبقاء في حالة نشاط مستمر , و إذا كان يدور في خيالك الممارسة المنتظمة لرياضة و لمدة ساعة كاملة ثم تجد أن المجهود أكثر مما تحتمله , فأبسط شيء هو إقتناء دراجة , فهي أفضل أداة تغير بها برنامج حياتك و روتينك المعتاد للأفضل , و تدخل فيه المزيد من الإثارة و البهجة , كما تستطيع إستخدامها كوسيلة مواصلات عملية و رخيصة , بالإضافة إلى أهم شيء ألا و هو تطوير ذكاءك الحركي.

أما إذا كنت من محبي رياضة معينة فإبحث عن أحد النوادي أو المراكز الرياضية التي يمكنك فيها البدء في ممارسة رياضتك المفضلة هذه حيث تكون تحت إشراف مدرب محترف كما أن النادي سوف يكون مجهزاً بأدوات التدرب على هذه الرياضة , و التدريب سوف يساعدك على تقوية جميع أجزاء و عضلات جسدك بشكل متجانس, فلأن عضلات جسدك مرتبطة ببعضها و لو حتى بشكل غير مباشر , سوف يؤدي تقوية بعضها و إهمال البعض الآخر إلى خلل في شكل الجسم أو خلل في الأداء الحركي أو حتى الإصابة و بالتأكيد لن تستطيع التركيز في أي عمل ذهني عندما يؤلمك أو يضايقك أحد أجزاء جسدك.

Comments

Popular posts from this blog

كيف تستخدم الألوان في التعلم و اللإستذكار

آينشتاين و سر ذكاؤه الرهيب

مرض عمى تعرف الوجوه و كيفية علاجه