كيف تنجو من ضغوط الحياة المدمرة لخلايا المخ


بعد الحرب العالمية الأولى حدثت ظاهرة لاحظها الأطباء بين الجنود الذين رجعوا من جبهات القتال تمثلت بالشعور بالرعب و الخوف الشديد من أبسط المؤثرات الخارجية مثل إغلاق الباب , و بعد ذلك خلال الحرب العالمية الثانية لاحظ الأطباء حالات مشابهة قاموا بتسميتها في ذلك الوقت ( بإجهاد المعركة ) و هذه الحالة تنجم عن دخول الجندي في لحظات فظيعة خلال المعركة يرى فيها زملاؤه قد تناثروا أشلاء و فارقوا الحياة في ثواني معدودة .

لكن حالياً قام العلماء بتسمية هذه الحالات بإسم ( الإضطرابات النفسية الناجمة عن ضغوط الحياة المدمرة ) أو Post-traumatic stress disorder ( PTSD)
و من أمثلة هذه الحالات تعرض الأنثى للإعتداء الجنسي أو تعرض إنسان لتهديد شديد على حياته أو حتى الإحساس بالخطر من المشاكل اليومية الصعبة لفترات طويلة .
و هؤلاء الأشخاص يفقدون الشعور بالأمان و ينحصر تفكيرهم دائماً في تلك اللحظات الفظيعة التي إجتازوها و تدور أحداثها في خواطرهم بشكل مستمر و كأنها لقطات من فيلم لا ينتهي.

و طبقاً لبحوث الجمعية الأمريكية للطب النفسي فإن الأشخاص الذين تعرضوا لضغوط عصبية شديدة يعانوا فيما بعد من إضطرابات نفسية و إضطرابات في النوم و كوابيس و إحساس بالضعف العضلي و فقدان القدرة على التركيز , بل و يصل الأمر لفقدان جزئي للذاكرة .

و كل هذه الأعراض المرضية دفعت العلماء لتحليل هذه الظاهرة و فهمها أفضل بإستخدام الوسائل التكنولوجية المتوفرة لتصوير أمخاخ هؤلاء المصابين بحيث يمكن تحديد المناطق التي أثرت عليها الضغوط في المخ.

و ظهر للعلماء بعد دراسات عديدة حدوث الكثير من التغيرات ( الفائقة الدقة ) في أمخاخ هؤلاء المتعرضين للضغوط الشديدة من الخارج و يمكن إيجازها في التالي :
1- عجز بعض الأنسجة العصبية عن إفراز بعض المواد الكيميائية المستخدمة في بث الإشارات العصبية .
2- إضطرابات في إفراز إنزيمات مسئولة عن تكسير و إزاحة هذه المواد الكيميائية العصبية .
3- أيضاً حدوث إضطرابات في ( المستقبلات ) الموجودة على الخلايا العصبية .

بعد ذلك بدأ العلماء بدراسة أماكن التغيرات التي تحدث في أمخاخ مرضى ( PTSD) و قارنوا بين حجم المناطق المختلفة في مخ المرضى و بين أمخاخ الأصحاء و كذلك عقدوا مقارنة بين الحجم العام للمخ عند المرضى و الأصحاء و كانت المقارنة مشفوعة بعمر المريض و نوعه و قدراته المعرفية .

فيبدأ العلماء في ملاحظة منطقة معينة في المخ تبدو صغيرة عند هؤلاء المرضى بالمقارنة بحجمها الطبيعي عند الأصحاء و تعرف هذه المنطقة بقرن آمون ( Hippocampus ( و الضمور الذي حدث لمنطقة قرن آمون ( Hippocampus ( عند مرضى ( PTSD) يصل بها إلى 25% من الحجم الطبيعي و هذا ليس أمراً طبيعياً بل يدل على حدوث تلف شديد في هذه المنطقة .

و الذي يعرفه الأطباء عن هذه المنطقة أنها مسئولة عن تخزين الذكريات و إسترجاع الأحداث التي جرت سابقاً , و أي إتلاف يحدث لهذه المنطقة ( جراحياً أو بسبب المرض ) يصاحبه دائماً فقدان للذاكرة , مثل الذي يحدث لمرضى الزهايمر الذين يعانون من فقدان تدريجي لذاكرتهم بسبب حدوث تغيرات و تلف في منطقة قرن آمون ( Hippocampus ( الموجودة بأمخاخهم .

و هنا بدأت جولة أخرى من الأبحاث لكي يتأكد العلماء أن الإضطرابات الناجمة عن ضغوط الحياة المدمرة ( PTSD) تؤثر فقط في هذه المنطقة المخية لكن تترك باقي أجزاء المخ بدون إحداث أي تلف أو تغيرات مرضية .

أسباب حدوث التغيرات المرضية في مصابي ( PTSD)
أصبح العلماء متفقين على أن الإضطرابات الناجمة عن ضغوط الحياة المدمرة ( PTSD) مرتبطة بإنخفاض حجم منطقة قرن آمون , لكنهم لم يتفقوا بعد على أسباب حدوث هذا التقلص في الحجم و آلية حدوثه أثناء الضغط اليومي للحياة القاسية .

و قد خرج بعض الأطباء بنظرية تدعي أن هرمون الكورتيزون هو المسبب الرئيسي لهذه الحالة المرضية و ذلك لأن تعرض الإنسان للضغوط النفسية أو الجسدية خلال حركته في الحياة يدفع الغدد فوق الكلوية لإفراز الكثير من هرمون الكورتيزون لمساعدة الإنسان على مواجهة ضغوط الحياة .

و لأن منطقة قرن آمون بها الكثير من مستقبلات هرمون الكورتيزون لذلك فهي من أكثر الأماكن في الجسد حساسية لهذا الهرمون , و عندما يزيد إفراز الكورتيزون في الدم يتسبب هذا بدوره في إتلاف الخلايا العصبية الموجودة في هذه المنطقة الحيوية من المخ .

لكن هذه النظرية بها العديد من العيوب , فلا يوجد دليل علمي على التغيرات الشديدة التي تحدث و تدفع الغدد فوق الكلوية لإفراز كميات كبيرة من هرمون الكورتيزون في الدم أثناء التعرض للمصاعب القاسية , كما لا يوجد إثبات علمي على أن الألياف و الخلايا العصبية الموجودة بمنطقة قرن آمون تتلف نتيجة زيادة إفراز هرمون الكورتيزون .

و المفاجأة أن عند قياس نسبة هرمون الكورتيزون في دم مرضى ( PTSD) وجدوا أن مستوى هرمون الكورتيزون عند هؤلاء المصابين أقل من مستواه العادي في دم الأصحاء ! و لذلك ظهرت نظرية جديدة تقول أن الخلايا العصبية المخية الموجودة في منطقة قرن آمون هي التي أصابتها حساسية شديدة لهرمون الكورتيزون و هذا هو تفسير ضعف الحاجة لهذا الهرمون بل يفسر كذلك إنخفاض إفرازه من الغدد.

هل ضغوط الحياة اليومية تؤدي فعلاً للإصابة بأعراض مرض ( PTSD)
من ضغوط الحياة اليومية الخلافات بين الأزواج , المشاكل مع الأبناء , المشاكل مع زملاء العمل و رؤسائه , الأحوال المالية السيئة , التوتر بسبب الدراسة و الإمتحانات و مشاكل و أعباء الحياة بصورة عامة .

كل هذه الضغوط و المصاعب الحياتية ليست فقط مسببة لإرتفاع ضغط الدم و الإجهاد و التعب و الإصابة بحالات من الصداع و الشعور بالقلق و الإحباط و الهزيمة و إنما هي أيضاً مسئولة عن تدمير مناطق خاصة في المخ مسببة الإصابة بفقدان الذاكرة و ظهور داء ( PTSD) .

ربما ينشأ مرض ( PTSD) بشكل أسرع في الأشخاص المستعدين وراثياً للإصابة بالمرض و الذين تمتاز أدمغتهم بصغر حجم منطقة قرن آمون.

لكن يبقى السؤال كيف نقلل من حدوث مرض ( PTSD) بقدر الإمكان ؟
لن يمكن بالقطع تجاهل مشاكل الحياة فهي جزء من الحياة ذاتها و لا يمكن تقليلها أو منعها و لكن يمكن التخفيف من آثارها السيئة على المخ من خلال عدة أساليب نذكر منها ...

1- مارس الرياضة في الهواء الطلق
يقرر خبراء و أطباء النفس أن مزاولة بعض الرياضات في الهواء الطلق مثل المشي أو ركوب الدراجات أو السباحة و الجري يخفض بشدة من مشاعر القلق و الشد النفسي و يقلل من شدة الإكتئاب , كما تعمل هذه الرياضات على إضفاء الهدوء على النفس عندما تصل الضغوط النفسية لأعلى مداها.

فالإسترخاء الناجم عن ممارسة مجهود عضلي يدوم لفترة أطول عن الإسترخاء الناجم عن أساليب أخرى ليس بها نشاط جسماني مثل الجلوس المريح في غرفة هادئة لمدة نصف ساعة مع كتاب مسلي أو بعد حمام ساخن طويل , و السر في ذلك أن المجهود العضلي و إن كان يسبب بعض التعب و المشقة لكنه ينجح في تفريغ عقل الإنسان ( المتوتر ) من الإهتمامات و المشاكل اليومية , لأن الإسترخاء بعد التمرين العضلي يمكن أن يدوم من ساعتين إلى أربع ساعات , بينما الإسترخاء الناجم عن أنشطة غير بدنية لا يستمر لأكثر من عشرين دقيقة .

فالتمرين البدني يدوم تأثيره المهدئ أكثر و الذي يسبب إستمرار الإسترخاء ليس هو التمرين العضلي في حد ذاته و لكن تأثير التمرين على العقلي و جعله يركز فقط في الأداء البدني أثناء التمرين و التركيز في الإستشفاء من الإجهاد بعد التمرين مما يسبب إختفاء جزئي للمشاكل و الضغوط اليومية من ساحة الفكر.

2- إستحم بالماء الساخن و إقرأ كتب مسلية
يمكنك الإستحمام بالماء الساخن للوصول للإسترخاء الذهني , حيث يؤكد الخبراء أن الماء الدافئ يهدئ الأعصاب و يساعد على الإسترخاء .
أيضاً عليك ألا تتجاهل القراءة بعد الحمام و بخاصة قراءة الكتب المسلية و ليست الكتب الفكرية العويصة التي سوف تجهد عقلك , خبراء الطب النفسي يرون في القراءة مهدئاً قوياً , و هي وسيلة جاهزة و متاحة و رخيصة تملأك بالبهجة و الرضى و الحبور .

3- إضحك تضحك لك الدنيا
في عصرنا الحديث المحمل بالتفكير العدواني و السعي المستميت نحو المادة و البعيد عن الروحانيات و المنكب على العمل و الإنتاج يصبح المرء عبداً للمادة و الآلة و بعدها يتسرب التفكك و الإنحلال إلى كل روابط المرء الإجتماعية و علاقاته الإنسانية و في النهاية يصبحوا سجناء وحدتهم .
لهذا بدأ التفكير في أسلوب حياة جديد يتطلب العودة إلى البساطة , إلى الموسيقى و اللعب , إلى الرومانسية و الراحة و تغيير رتابة الحياة و إعادة التوازن النفسي للإنسان .

لكن ماذا عن الضحك ؟
لا شك أن الضحك أبسط و أعظم دواء و هذه حقيقة يدركها الإنسان ببديهته , ففي الضحك شفاء لكثير من العلل و الأمراض النفسية و يكفيه أن يكون أفضل شفاء للصداع و الإكتئاب , فالضحك يعمل على إحداث توتر في عضلات البطن و الصدر و الأكتاف من أجل إطلاق صوت القهقهة , لكن عقب الإنتهاء من الضحكة تسترخي هذه العضلات , و هذا الإرتخاء بعد التقلص قد يشفي من بعض أنواع الصداع.

كما أن الضحك يرفع الضغط و يزيد دقات القلب فإذا ما إنتهت الضحكة هبط الضغط و تباطأت دقات القلب لأقل من المستوى الذي كانت عليه قبل الضحك مما يدل على أن التوتر الذي كان عليه الشخص قد خف.

و يقول علماء النفس , إن من يستقبل يومه ضاحكاً أقوى بكثير من هؤلاء العابسين كجلاميد الصخر القاسية التي تتكسر عليها الإبتسامات , و الأشخاص الضاحكين عادة هم أشخاص مسالمين طيبو القلب لأنهم يسرحون طاقاتهم العدوانية بالضحك , و يقولون على من لا يهتز لطرفة و لا من لا يضحك لنكتة أن يراجع طبيباً نفسياً , فقد شاخت أو تلفت الخلايا الدماغية المسئولة عن الضحك ( في نصف مخه الأيمن ) فما عاد يهزها شيء .

و يقول احد أطباء النفس إن تأثير الضحك مثل تأثير الركض و لكنه ركض على الجالس ! فإن الضحك لمدة عشرين دقيقة يومياً يعادل تمرين الركض لمدة عشر دقائق , فالفلقة اليمنى من المخ تحتوي على مراكز الأحاسيس و الإنفعالات و عندما يحدث إثارة لها بالضحك تعمل بدورها على غمر البدن بألوان من المهدئات الطبيعية التي تعطي الإحساس بالسعادة و إرتفاع المعنويات .

و لكل هذا ينصح علماء النفس و أطباؤه الذين عرفوا أهمية الضحك بممارسة الضحك و لو بشكل إجباري كل يوم مثلما كانت تفعل إحدى القبائل الكينية التي كانت تمارس الضحك يومياً , حيث يتجمع أفراد القبيلة في عصر كل يوم , و يبدأ أفرادها في رواية الأمور المضحكة التي حدثت لهم طوال اليوم ,و قد تستمر هذه العملية لساعات طويلة يشعر بعها كل أفراد القبيلة بزوال كل الضغوط و كل الأعباء و المشاق التي حدثت لهم طوال هذا اليوم.

و إذا كانت هذه الحالة في قبيلة في احد بلدان العالم الثالث , فأجد بنا نحن العصريون بممارسة الضحك كل يوم و لو بالإكراه ! و أفضل التوقيتات للممارسة الضحك ثلاثة أوقات , في الصباح الباكر و قبل الذهاب للعمل أو الدارسة , أيضاً بعد الرجوع من العمل و أخيراً قبل الذهاب للنوم.

سوف تحتاج لثلث ساعة لكل فترة من الفترات السابقة تستمع فيها لبرنامج فكاهي أو ترفيهي تعرض فيه النكت و الألاعيب المضحكة أو حتى إستمتع بثلث ساعة من فيلم فكاهي أو كرتوني .

ربما تكون تحت طائلة حالة حزن أو إكتئاب شديد فلا ترى في هذه البرامج أي كوميديا , لكن الإستمرار في ( إجبار نفسك على الضحك ) سوف يحدث فرقاً و مفعولاً أكيداً على مدار الأيام .

و في العصر الحالي أمامك الكثير من الفرص لإستعراض المزيد و المزيد من المقاطع و المقتطفات الكوميدية المرحة , و ننصح بعدم فعل العكس , أي لا يجب أن تسمح لنفسك بمشاهدة بعض الأخبار المفجعة و المليئة بالحزن و الأسى فلو فعلت ذلك فسوف تدمر كل ما فعلته و تهد كل ما بناه الضحك لك من سرور و بهجة .

قاطع أي أخبار حزينة أو برامج تستفز أعصابك و حتى قاطع أصدقائك الذين سوف يبثون مشاكلهم و أحزانهم و ينقلون إليك عدواهم , لن تستفيد منهم بشيء سوى المزيد من الحزن و الضغط و الإكتئاب و كل هذه الأمور غير مطلوبة و أنت تسعى لتحسين مزاجك و حالتك النفسية و العصبية

Comments

Popular posts from this blog

كيف تستخدم الألوان في التعلم و اللإستذكار

آينشتاين و سر ذكاؤه الرهيب

مرض عمى تعرف الوجوه و كيفية علاجه