هل للنباتات ذكاء ؟
لقد
إعتاد البشر الحكم على مقدار الذكاء الذي يمتلكه أي كائن حي آخر من خلال الأفعال ,
فأي شيء يتم التفوه به أو فعله من طرف أي كائن يعطي دليلاً على ما يحتويه عقله من
فهم و إدراك , و على هذا المقياس تبدوا النباتات الصامتة و الراسخة في مكانها
كأنها كائنات غير ذكية.
و كل البشر يعتبرون
النباتات كائنات محدودة القدرة و الإحساس لأنها لا تتحرك أو ترى أو تسمع , لكن هذه
النظرة السطحية فقدت إعتبارها تحت مجاهر العلم الحديث , حيث ظهر تحت عيون
التكنولوجيا الحديثة أن للنباتات قدرة ( نوعية ) على أن ترى و تسمع و تحس بما يجري
حولها .
و هذه الأنواع من
القدرات تعتمد عليها النباتات لكي تتحرك بأسلوب معين و تتفاعل مع الوسط المحيط بها
وفق سلوك هادف يدل على إمتلاكها نوعاً من أنواع الذكاء.
و قد أثبت العلم أن
النباتات قادرة على إستيعاب معلومات البيئة المحيطة بها و حساب العواقب , و إعرف –
و إن كنت سوف تصدم من هذا – أن القدرات ( التقديرية و الحسابية ) للنباتات تصل في
جودتها إلى مثل ما تمتلكه العديد من الأنواع الحيوانية .
و بعد ذلك تستجيب
للبيئة من حولها , فالنباتات أبعد ما تكون إحدى الكائنات السلبية كالأحجار , فهي
تستجيب ( مثل الحيوانات ) للإشارات و المنبهات الصادرة من البيئة المجاورة لها من
خلال عمليات معقدة تدخل فيها طرق إرسال الإشارات بالأيونات , تماماً مثل تلك
الموجودة في عقولنا المتطورة .
و تظهر الإستجابة في
تغير طريقة نمو النبات بأشكال أكثر تنوعاً مما يتخيله الإنسان العادي و كذلك أكثر
تعقيداً , فمثلاً عندما ينمو أحد النباتات و يجد نفسه في ظل نبات أكبر منه في
الحجم فإنه يحاول الوصول لأشعة الشمس من خلال جعل براعمه تتفتح لأعلى مباشرة بدلاً
من جعل أغصانه تتفرع في مختلف الإتجاهات.
في
البداية هل تمتلك النباتات حواس كالتي تمتلكها أنواع المملكة الحيوانية ؟
في الواقع لا تمتلك
النباتات نفس نوع الحواس التي نمتلكها نحن البشر و باقي فصائل المملكة الحيوانية ,
لكنها تمتلك ( حواس خاصة بها ) يمكن للنباتات عن طريقها إكتشاف الضوء و الأصوات و
الماء و الحرارة و الإحساس بالإهتزازات و الجاذبية و الكيماويات .
فقد أشارت طرق البحث
المتطورة إلى أن النباتات تفرق بين الليل و النهار حيث توجد مسام خاصة في أوراق
النباتات تنفتح نهاراً لتسمح بعملية البناء الضوئي لكنها تغلق أثناء الليل لتقليل
تسرب المياه من الأوراق .
و كثير من المعاهد
أقرت بأن النباتات يمكنها تمييز الأطوال الموجية المختلفة , بل إن النباتات تستخدم
الألوان لكي تتعرف على طبيعة البيئة المحيطة بها , و هذه ( الحواس الخاصة
بالنباتات ) تعتمد عليها في فهم عالمها و تقدير الأسلوب الصحيح للإستجابة .
فمثلاً النباتات
تستجيب للأشعة فوق البنفسجية عن طريق إفراز مادة حاجبة تقيها شر هذه الأشعة
الحارقة , و تمثل هذه الإستجابة توضيحاً لمفهوم ( الرؤية عند النباتات ) فالنباتات
تكتشف الضوء بحاستها الخاصة و تفرق كذلك بين الأطوال الموجية لضوء الشمس مما
يؤهلها بعد ذلك للقيام ( بإستجابة ذكية ) لهذه الحالة .
و يرى قسم كبير من
العلماء أن أنماط الإستجابة هذه محددة مسبقاً وفق برنامج خاص أعده الخالق لضبط
سلوك النباتات و إنعكاساتها , لكن هناك أيضاً من يرى أنماط الإستجابة للبيئة أنها
ردود أفعال مرنة و متكيفة , فالمرونة و التكيف ما هي إلا نظرة ثاقبة و حركة يمكن
تغيير إتجاهها , فمن خلال الإستجابات المرنة هذه تحاول أنماط النباتات الوصول
بأحجامها إلى أقصى حد من النمو في بيئة تتغير بإستمرار , كما تحاول أيضاً النباتات
إنتاج سلالات لإستكمال مسيرة التطور.
و الذي يدل على أن
إستجابة النباتات ( مرنة و تكيفية ) أنها تتشابه مع الأفعال الفطرية و ردود
الأفعال الغريزية التي تقوم بها كافة كائنات المملكة الحيوانية , فمثلاً قد يسرع
نبات ما من معدل نموه ليصبح أطول من النباتات المجاورة لأنه ( يخاف ) أن تستحوذ
على غذاؤه و هو ضوء الشمس , أو قد يقوم بالعكس و يقبل بتقليل معدل نموه عندما
يتعامل مع إشارات خطيرة مثل هبات الرياح الشديدة , بل و قد يقف نمو النبات كلياً
إستجابة لها , أما عندما تزيد نسبة الأشعة تحت الحمراء يقوم النبات بتنشيط نموه
مرة أخرى .
لقد قام عالم النفس
النيوزلندي ( ديفيد ستينهاوس ) بتعريف الذكاء في كتابة الذي يدور حول تطور الذكاء
على أنه ( سلوك تكيفي متغير طوال فترة حياة الإنسان أو الكائن الحي ) , و هذا
التعريف يتوافق بشكل كبير مع سلوك النباتات و إستجاباتها , فإستجابات النباتات
ليست مجرد مجموعة من ردود الأفعال المبرمجة مسبقاً و التي يمكن فهمها و التنبؤ بها
, أيضاً إستجابات النباتات ليست عبارة عن طريقة تكيف موضوعة على تدرج زمني في تطور
النبات. سلوك النباتات يتخطى ذلك و يصل بذكاء النباتات إلى فهم المشكلات القادمة و
إعداد خطة للتعامل مع المشكلة أو تفاديها.
هل
النباتات صاحبة قرارات !؟
معاهد البحوث العلمية
أقرت أن النباتات بوسعها تقدير المشاكل التي سوف تطرأ لاحقاً و القدرة على إتخاذ
قرارات تخفف من أثر المشكلة أو تجنب النبات بأكمله مغبة التعرض لها.
و لقد فهم علماء
النبات ذلك من خلال ملاحظتهم النباتات النامية و كيف ( تستشعر ) النباتات المحيطة
بها , حيث تقوم الأوراق الخضراء للنباتات المجاورة بإمتصاص الضوء الأحمر لكن هذه
الأوراق تعكس الأشعة تحت الحمراء.
و يمكن للنباتات
النامية من خلال فهم الإختلاف في نسبة الضوء الأحمر إلى نسبة الأشعة تحت الحمراء
أن تدرك وجود نباتات خضراء مجاورة و أيضاً تفهم تأثير و نتائج هذا الوجود الغير
مفيد لها لاحقاً.
و من خلال تعرف
النباتات النامية على أكثر مواقع النباتات التي يحتمل أن تسبب صراع و منافسة في
المستقبل , تقوم النباتات بعمليات مراوغة إن صح التعبير .
و نعني بإجراءات
المراوغة أن يقوم النبات الناشئ ( بتوضيب ) شكله بالكامل أي يقوم بضبط شكل أغصانه
و عددها بالإضافة إلى وضع جذعه ليصل النبات لأفضل وضع ( ممكن ) في مواجهة الشمس
مصدر الطاقة الأساسي .
و ربما يقول البعض أن
عملية إتخاذ القرارات هذه لا تشابه أسلوب عمل العقل البشري الذي يقوم بإتخاذ
قرارات معقدة , لكن مجرد فهم النبات ما الذي عليه فعله و القيام بإستجابات مرنة و
متغيرة تساعد النبات على الحياة بأفضل شكل يعني ذلك أن للنباتات ذكاء و ذكاء متطور
.
و لزيادة توضيح
المسألة نجد أن النباتات يمكنها القيام بعمليات ( تجنبية ) كبيرة , فمثلاً تمتلك
النخلة المرتكزة ( Stilt Palm ) جذعاً يتركز على جذور مرتفعة فوق التربة تدعمها , و عندما تقوم
النباتات التي حولها بالإستحواذ على حصتها من المواد الغذائية و الضوء تتخذ هذه
النخلة فعلاً ( تجنبياً ) واضحاً للغاية , حيث تتحرك النخلة ( كلها ) في إتجاه ضوء
الشمس و تكون هذه الحركة من خلال نمو أعداد من الجذور الداعمة الحديثة بإتجاه
الجانب الأكثر وفرة في الضوء .
أما الجذور التي لا
تزال في الظل فإنها تذوي و تموت , و هذا يدل على سلوك ( ذكي ) معقد و غاية في الوضوح
ناتج عن إستجابات مرنة و متفاعلة مع البيئة .
فالنباتات ( تتعلم )
و لكنها تتعلم بطريقة المحاولة و الخطأ عندما تحدث أمور ليست في صالح النبات و هنا
يهدف النبات ( الذكي ) إلى تخفيض مقدار التعرض للكثير من الأذى من خلال تعديل
أساليب تعامله مع كافة الإشارات البيئية التي تتداخل في حياته مثل العناصر المغذية
و الرطوبة و درجات الحرارة و الأمراض التي يتعرض لها و خلافه.
و الكثير من الأبحاث
تظهر أن النباتات لديها مرونة سلوكية تتخطى كونها أفعالاً غريزية مجردة أو برمجة
سابقة .
من هذه الأبحاث دراسة
حول السلوك الغذائي لعشب زاحف إسمه ( جليشوما ) , بوضع هذا النبات في تربة خصبة
تتشكل تكتلات من الجذور و تغوص لأعماق كبيرة في التربة ليستغل النبات ثراء الرقعة
الموضوع فيها بالكامل فينمو لهذا النبات المزيد من الأغصان و عليها الأوراق و
البراعم .
لكن عندما يتم وضع
هذا النبات في منطقة مجدبة فإن الجذور تنتشر لمسافة أبعد و بسرعة أكبر , و تظهر
سيقانها الأرضية بشكل رفيع و عليها تنمو اقل الأعداد من الفروع .
و يعني هذا أن الجذور
بوسعها تعقب نسب المعادن و الرطوبة فتنمو الجذور بعيداً عن النبات الأصلي باحثة
بشكل محموم عن الموارد الغذائية اللازمة للنبات , و على ذلك يتأسس ( معدل النمو
للنبات ) .
و ليس هذا هو آخر
الأمثلة , فالدراسات لاحظت أن جذور نباتات الفصيلة الواحدة يمكنها إدراك و (
إستشعار ) وجود جذور نباتات من فصيلة أخرى منافسة , فتقوم الجذور بالتوجه لبقعة
أخرى من الأرض حتى لو كانت البقعة الأصلية غنية بالعناصر الغذائية , مفضلة ألا
تشتبك في نزال لا تعرف عواقبه و أخطاره , و هذه الأمثلة تظهر النبات كمتخذ ماهر
لقرارات معقدة و ذات نزعة تنبؤية .
لكن أين
هو دماغ النبات , و مما يتكون ؟
ليس هناك مكان محدد
موجود فيه دماغ النبات و يمكن إعتبار النبات ككل عبارة عن دماغ ! و في النباتات
تعتبر (أيونات الكالسيوم ) هي الوسيط الحقيقي لتحويل أي معلومات يستشعرها النبات
إلى لغة تصل بين كافة أعضاء النبات و تدمج فيها كافة الإشارات الحسية المختلفة .
فأي إشارة أو تنبيه
لإحدى ( حواس النبات ) تسبب إرتفاعاً مؤقتاً في مستويات ( أيونات الكالسيوم ) , و
كذلك كل إرتفاع في مستويات الكالسيوم يحدث بعد مدة زمنية تختلف بعض الشيء إستناداً
على نوع الإشارات و التنبيهات التي إستقبلتها ( حواس النبات ) .
و لذلك يعتبر العلماء
أن منظومة الكالسيوم هذه هي المكان الذي تحدث فيه عمليات تخزين الذكريات الخاصة
بالنبات و كذلك عمليات التقدير و صنع القرارات .
و أظهرت التجارب أن
أيونات الكالسيوم تنتشر من مخازن معينة داخل الخلايا لتدخل في قنوات الكالسيوم
الموجودة في الغشاء الخلوي الذي يحيط بها , لكن هذا الإنتشار يكون لمسافة قصيرة
فقط , فأيونات الكالسيوم لا يصح لها أن تبتعد كثيراً عن بعضها الآخر.
و لكي تنتقل الإشارات
الحسية لمسافة أطول عبر النبات ترتبط أيونات الكالسيوم المفروزة بمجموعات من
الإنزيمات و المواد الكيميائية و هذا يدفع قنوات الكالسيوم الموجودة على طول الخط
أن تفتح مما يسمح بقدر كبير من سرعة نقل البيانات و الإشارات الحسية .
و قنوات الكالسيوم
تعتبر مثل العقد الموجودة في الشبكات العصبية للحيوانات العليا و يمكن بسهولة فتح
أو إغلاق هذه القنوات , لكن وظيفتها هي توجيه إتجاه مرور الإشارات الحسية و
التنبيهات عبر طرق محدد يمكن للنبات ضبطها لكي يسمح بمرور الإشارات الحسية أو
منعها , بالضبط مثل أسلوب ( و ) و ( أو ) المستخدم في برمجة الحواسب.
و يمكن أن تصبح تلك
القنوات أقل أو أكثر في الحساسية لمستوى الكالسيوم إعتماداً على تجارب سابقة مرت
عبرها.
و على نطاق النبات
بأكمله يمكن تنسيق تحركات أيونات الكالسيوم عبر شبكة قنوات الكالسيوم في صورة
موجات أو ذبذبات بالضبط نفس أسلوب عمل الشبكات العصبية المتقدمة .
لكن هناك
سؤال : هل يمكن لتحركات أيونات الكالسيوم داخل خلايا النبات أن تنتج ذكاءاً
حقيقياً ؟
لقد أظهرت الدراسات
الحديثة و التجارب التي أجريت في الجامعات أن أيونات الكالسيوم هذه عن طريقها يمكن
للنبات من خلالها إستيعاب مصادر مختلفة للمعلومات و الإشارات الحسية و تصنيفها حسب
الأولوية و درجة الأهمية و كذلك يمكن للنبات تجاهلها.
و هذا يدفع النبات
لإتخاذ سلوكيات تفرض علينا كبشر أن نسميها ( قرارات أو سلوكيات ذكية ) و بمراجعة
طريقة النباتات في الحياة و كيف تتصرف في بيئتها نجد أنه من الواضح أن ما يفعله أي
نبات للبقاء على وجه الأرض هو فعل معقد و ذكي بصورة كبيرة و ليس مجرد أسلوب
للإستجابة لمنبهات شديدة التعقيد بشكل يسمح بالمحافظة فقط على حياة النبات .
و لماذا ننظر فقط إلى
النباتات و هي كائنات تمتلك الملايين من الخلايا و نجادل هل تمتلك ذكاء أم لا ,
خلية وحيدة كالأميبا تتخذ قرارات ( ذكية ) في بيئتها الطبيعية من أجل أن تنمو و
تتكاثر , و حتى خلايا أجسامنا تستجيب كل واحدة فيها بشكل ( ذكي ) و مختلف للكثير
من العوامل الكهربية و الكيميائية و الشمية و اللمسية و غيرها.
في النهاية إسباغ سمة
الذكاء على النباتات بهدف لإظهار مدى التعقيد الهائل الذي تمتلك النباتات منظومته
و من خلاله تدرك به النباتات البيئة المحيطة بها و تحدد الأسلوب الأمثل للإستجابة
المفيدة لحياتها و بقاءها , و مهما كان سيثيره مصطلح ( الذكاء ) من جدال حول
منظومات النباتات شديدة التعقيد , فذلك المصطلح يجمع بداخله أفضل فهم و أحسن إجابة
حول كيفية تعامل هذه الكائنات مع العالم المحيط بها .
Comments
Post a Comment