كيف تتعامل الأسرة مع أطفالها الموهوبين و المتفوقين بالشكل الصحيح


 الموهوبين و المتفوقين هم أفراد لديهم قدرات عقلية تفوق الحد الطبيعي في مجالات أو تخصصات معينة , و هذه القدرات تؤهلهم للبروز في الحياة العامة كمطورين أو محسنين أو دافعين لنهضة معينة في مجتمعاتهم , و إكتشاف هؤلاء المتفوقين مرهون بوجود ظروف ملائمة تدفعهم لفهم طبيعة القدرة أو الكفاءة التي يحوزونها , و تبقى المسألة مرهونة بقدرة الأسرة و المدرسة و المجتمع على الأخذ بيد هؤلاء الموهوبين و مساعدتهم على تطوير و تنمية الموهبة التي لديهم , فبعد فترة سوف يصبحون نجوماً و اصحاب كفاءات مذهلة في المجتمع الذين يعيشون فيه حياتهم.

تقع مسئولية إكتشاف الموهبة أو التفوق في البداية على الأهل و الأسرة و عليهم رعاية إبنهم و موهبته و تنمية تفوقه , و سوف تحتاج كل أسرة لبعض النصائح الضرورية و التي يجب إتباعها حتى لا يحدث إنكسار للإبن الموهوب و إحباط لتفوقه.

أولاً: كيف تتعامل الأسرة بالشكل الأمثل مع الطفل الموهوب أو المتفوق
1- على الأسرة تفهم عملية التطور و ( النضج ) التي يمر بها الطفل وصولاً إلى نموذج الإنسان الكامل , فهناك أنواع من ( النضج ) لابد أن تتم على الطفل ليتمكن في النهاية من التعامل مع العالم المحيط به بعقلانية و بكفاءة , و الطفل الموهوب يكون لديه نضجاً عقلياً أعلى بكثير من نضجه العاطفي و لذلك على آبائه توفير فرص النضج العاطفي مثلما يوفران لطفلهما الموهوب فرصة النضج العقلي .

و أبسط شيء لفعل ذلك ألا يربط الآباء بين إهتمامهم و حبهم لإبنهما الموهوب و نتائجه في المدرسة ,و كذلك لا يجب أن يفعلوا ذلك و يفتخروا بشدة بأي قدرات متميزة لإبنهم و يحاولوا إظهارها في كل وقت , على الوالدين مقاومة هذا ( الإعتزاز ) بموهبة الإبن أو تفوقه الدراسي و الذي مصدره في الغالب شعور الوالدين أنهما يقومان بتحقيق أشياء أرادا تحقيقها في السابق و ذلك من خلال هذه الموهبة أو التميز الذي يحوزه إبنهما.

و لذلك يبدوا عليهم أشد قلق عندما يحدث تعثر للإبن أو يواجه صعوبات في دراسته و هذا كله ينصب على الإبن ( الموهوب ) فيصاب هو الآخر بحالة قلق شديدة و يشعر ( بدون وعي ) أن والديه يحبانه فقط لموهبته أو تميزه الدراسي , و يخشى الطفل زوال إهتمام و عطف آبائه عليه , و حالة القلق الممزوجة بالخوف هذه قد تزيد من تعثر الطفل و تعرقله رغم ما يحوزه من إمكانيات عقلية متميزة .

على الوالدين مراعاة مسألة النضج العاطفي و ألا يجلدا إبنهما و يدفعانه للمزيد من النضج العقلي من خلال التعلم في المراكز التعليمية المختلفة و الدراسة على حساب نضج إبنهما العاطفي فهذا في النهاية يؤدي لإنتاج إنسان ( مشوه ) عاطفياً.

و قد لا يكون الإبن موهوباً بشكل حقيقي إلا أن الأبوين الذين يريدان بشدة أن يكون إبنهما موهوباً و مؤهلاً للنجاح في العالم الحقيقي يعاملان إبنهما على أنه أذكى الأذكياء ! و لأن الإبن في الواقع ليس لديه من التميز ما يصل به إلى الدرجة التي يطمح إليه الوالدين و لا يحقق ما ينتظرانه من من النجاح فإنه يشعر بالحزن و الضيق و عدم الثقة بالنفس مما يدفعه للإنعزال و قد يكون ذلك مؤشراً على بداية دخوله في حالة إضطراب نفسي أو إكتئاب.

2- لا يجب على الأسرة معاملة إبنهما الموهوب بشكل يختلف عن إخوته !
الطفل الموهوب هو طفل يمتلك إمكانيات و قدرات لا يحوزها إخوته لكن لا داعي لأن يقارن الوالدين بين الأبناء و أخوهم الموهوب فهذه المقارنة ( الظالمة ) تفرز شعوراً عدائياً بين الإخوة ضد أخوهم الموهوب و نتيجة المقارنة الدائمة بهم تنمو الكراهية و الحقد إزاء الأخ صاحب الموهبة ( الوحيدة ) .

ما يجب أن يدركه أي أب و أي أم بشكل عام أن الموهبة تكون في مجال محدود و العالم مليء بالمجالات و التخصصات , و كل طفل ربما يحب مجال مختلف عن المجال الذي يحبه أخوه و الذي يمكنه أن يعبر فيه عن ذاته بنوع من النجاح و في الغالب ما تكون هذه المجالات خارج المدرسة .

فمثلاً قد يتفوق أحد الأبناء في اللغات الأجنبية و ذاك يتفوق في التمثيل و عزف الآلات الموسيقية و آخر يتفوق في الرسم و الفنون التشكيلية إلى غير ذلك من المجالات التي تختلف فيها رغبة الأطفال و يعبر كل طفل من خلالها عن نفسه و هذا يكسبه شعوراً بقيمته و قدراته و بالتالي يحظى بالتوازن النفسي و العاطفي الناتج عن رضا الطفل عن نفسه.

لذلك لا يجب معاملة الإبن الموهوب بكيفية ( تمتاز بالإختصاص ) عن معاملة باقي الأبناء و لا يجب أن يستجيبا لكل طلباته و يبالغان في العناية به , فمعنى تقديم كل شيء على طبق من ذهب إلى الطفل أنك لا تدفعه إلى إكتساب خبرات جديدة تساعده على النضج النفسي و العاطفي و تمنحه الشعور بالثقة بالنفس و الإستقلال.

أيضاً تؤدي المبالغة في الإهتمام ( و التدليل ) أن يصيب الطفل الموهوب ( ضيق غامض ) و هذا الضيق ينتج من ( إحباط ) الآباء المستمر لرغبة إبنهما في ( الإستقلال ) من خلال إكتساب معارف و خبرات نتجت عن إجتياز عقبات و صعاب مما يؤهله لاحقاً لمواجهة الواقع.

و لأن الطفل الموهوب لا يعرف بالتحديد لماذا يشعر بالضيق , يطلب المزيد من والديه و عندما يقومان بتنفيذ ( أوامره ) لا يحدث أي تحسن في الجانب النفسي للطفل بل يتعمق شعوره بعدم الإرتياح و الإحباط , و قد يصل الأمر لحدوث رد فعل عدائي ( لاشعوري ) من جانب الطفل ضد والديه الذين يتمنيان له كل الخير و هذا يسبب له شعوراً بالذنب كما تهتز عواطفه نتيجة موقفه الغريب و ( المتناقض ) إزاء والديه .

و هذه الحالة قد تتواجد بكثرة بين الأسر ميسورة الحال حيث يظهر العنف لدى الأبناء و الذي يكون موجه ناحية الآباء برغم أنهم على أتم إستعداد لتنفيذ أي مطلب يطلبه أبنائهم , بل هم فعلاً ينفذون كافة مطالب أبنائهم .
و قد يتعجب الآباء من هذا السلوك ( المختل ) لإبنهما , فالوالدين يعجزان عن معرفة الأسباب التي تؤدي لميل طفلهما ( المدلل ) لسلوك العنف برغم إظهارهم الحب و التقدير من خلال الإستجابة لكافة مطالب الإبن .

3- لا يجب إهمال أو تجاهل موهبة الأبناء و تفوقهم
ربما يعتقد الوالدين أن أفضل طريقة للتعامل مع إبنها الموهوب هو تجاهل موهبته و إنكارها حتى لا يشعر الطفل أنه الأفضل بين أخوته و الآخرين و يركبه الغرور , أو يتجاهلونها حتى لا يطالبهم أحد فيما بعد بمساعدة إبنهما في بلورة موهبته و تنمية القدرة المتميزة التي يمتلكها و هم بهذا التصرف يتفادون أي شعور بالذنب ناتج عن عدم إمتلاكهم أي إمكانيات تساعد إبنهما في إبراز موهبته و كفاءته.

و تحت تأثير هذه الإعتقادات الخاطئة يصل الآباء ( المضللين ) إلى درجة عدم الإهتمام كثيراً بأي نجاح يحرزه إبنهما , بل إنهم قد ( يفجعون ) إبنهما بإبراز المواقف و الأمور التي فشل فيها سابقاً , و هذا يدفعه دفعاً للفشل الفعلي , فأكثر شيء متميز فيه و قد يعتمد عليه للنجاح في حياته قد تم إهماله و تجاهله أو غرس شعور مضلل أنه فاشل في تلك الناحية من نواحي التميز و التفوق.

إن ظهور النبوغ في أحد أبناء يفرض على الأسرة مسئولية إضافية بجانب مسئولية الأسرة التقليدية من رعاية الأبناء و القيام بتوجيه سلوكياتهم و المساعدة في إعدادهم لكي يندمجوا بشكل أفضل مع المجتمع .

على الأسرة أن تكون بالنسبة لإبنها الموهوب بمثابة التربة الصالحة بالنسبة للبذرة , فأي نبات مثمر قد كان فيما مضى بذرة تم غرسها في تربة خصبة ثم بعد ذلك تم تعهد البادرة الناشئة بالإهتمام و الرعاية , و إن لم تجد البذرة التربة الخصبة فإنها تموت أو تنمو هزيلة.

و هذا هو حال الإبن الموهوب , لا يتحسن إلا في جو أسري آمن و ممتلئ بالحنان , يسمح له بتكوين صورة إيجابية عن نفسه مما يحثه على إظهار كل ما يمتلكه من إمكانيات ذهنية و إبداعية .

و لأن الأسرة عليها مسئولية كبيرة في رعاية إبنها المتفوق و الموهوب , فهذه الموهبة قد تكون السبب الرئيسي لنجاح الإبن في المستقبل , لذلك يجب و بشدة ألا يحاول الوالدين إصدار أحكام ( سلبية ) على موهبة إبنها تحت تأثير معتقدات و إعتبارات خاطئة قد تضع عوائق ( نفسية ) أمام تفتح هذه الموهبة و تطورها.

ثانياً: كيفية التعامل مع الطفل الموهوب أثناء الدراسة
المدرسة فكرتها النظرية أنها منشأة ( ديمقراطية ) وجدت لتعليم كافة الأطفال من كافة الفئات و الطبقات الإجتماعية , و لذلك يجب أن تستخدم معهم نفس الطرق و الأساليب و البرامج التعليمية و المناهج و الكتب و حتى المعلمين بأسلوب عادل و لا يوجد به أي تفرقة و لذلك لا تجد المدارس أي تمييز في تعاملها بين الأطفال و تفضل معاملتهم بنفس المعايير.

لكن كثيراً ما يواجه المربون من الأساتذة و المعلمين خلال تدريسهم بالمدارس حالات لأطفال لديهم من الذكاء و الموهبة ما يجعلهم ( مختلفين ) عن غيرهم من الأطفال المقاربين لهم في العمر و هذا قد يسبب غرباك لعمل المعلم و يحدث له متاعب جمة .

و قد دفعت هذه الحالات بعض الأساتذة لإقتراح فكرة ( عزل ) التلاميذ المتفوقين و أصحاب الموهبة في فصول دراسية خاصة بعيدة عن الفصول الدراسية الخاصة بالتلاميذ العاديين و المتوسطين .

و أصحاب فكرة ( عزل التلاميذ المتفوقين ) يرون في عملية الفصل عن باقي الطلاب العاديين نوعاً من توفير المناخ اللازم و الملائم تحسين مواهبهم و قدراتهم و تطويرها بشكل أفضل , حيث يستطيع الطفل الموهوب و المتفوق دفع كل إمكانياته الذهنية و الإبداعية للعمل لكي يتميز أكثر عن أطفال من نفس ( نوعيته ) بدلاً من وجوده بين طلاب عاديين يمكنه التفوق عليهم بدون بذل أي مجهود كبير.

أيضاً وضع التلميذ المتفوق مع التلميذ العادي في نفس الفصل الدراسي يؤدي لإنطفاء شعله الذكاء و الموهبة لدى المتفوقين و تضيع منه إمكانية تكوين صورة حقيقية عن ذاته , الأمر الذي يشكل إهداراً حقيقياً لإمكانيات و قدرات هؤلاء الموهوبين .

فالطفل المتفوق لديه الكثير من الثقة بالنفس تدفعه لسؤال من يعلمه الكثير من الأسئلة و التي يمكن أن تكون غريبة , و هذا يسبب له الكثير من المشاكل مع رفاقه بالمدرسة و كذلك مع من يدرسونه , فالكل يسخر منه لكثرة إستفساراته , و هذا يحدث له الكثير من مشاعر القلق و الضيق و قد يؤدي به ذلك إلى الإنزواء و العدوانية و اللامبالاة و الفشل في الدراسة.

أما وجود الموهوب مع أطفال من نفس مستواه يعتبر توجيهاً حسناً في الطريق الصحيح و توجيه مبكر كذلك يؤدي بعد فترة لوصول هؤلاء الموهوبين إلى أن يلعبوا دوراً مهماً في قيادة مجتمعهم و النهوض به و صناعة ألوان من التقدم و الإبتكار داخله.

كذلك إنشاء فصول خاصة بالمتفوقين يشكل حافزاً للتلاميذ لإستيعاب المزيد من المعلومات و الخبرات ( غير المدرسية ) , و هنا تظهر أهمية المعلمين أو المربين الذين تم تهيئتهم خصيصاً لمهمة تدريس الطلاب المتفوقين و الموهوبين .

و من السمات التي تؤهل المعلمين لهذه المهمة أن يكونوا على علم بمعرفة شاملة بالأساليب التربوية بالإضافة إلى إحاطتهم بثقافة واسعة عامة , و على أساس رغبتهم الشخصية يتم حثهم لتدريس التلاميذ الموهوبين فهم يحبوا تلاميذهم هؤلاء و يرغبون في مساعدتهم , أما أقدمية المعلم في المنظومة التعليمية ليست حكماً لكي توضع على كاهله مهمة تربية و توجيه التلاميذ المتفوقين.

و لقد أثبتت التجارب إيجابية فكرة إنشاء فصول للمتفوقين حيث يشكل التواجد مع أطفال موهوبين و أصحاب تفوق حافزاً لكل تلميذ في الفصل و يتيح له أفضل فرصة للتنافس , فالطفل الموهوب و صاحب النبوغ تواجهه مشاكل في التوافق مع البيئة المدرسية عند تواجده مع الأطفال العاديين , حيث لا يجد في عملية التعلم ما يحفزه للإهتمام أو يثير فضوله .

فالمعلم يجب أن يهتم بكافة التلاميذ على حد سواء , و يحاول مسايرة المستوى العقلي ( العادي ) لهذه الفئة , و هذا يدفع الطفل الموهوب لإعتبار أن الدروس مملة و لا تحتاج أدني إهتمام و قد يصل الأمر بهذا الطفل لإهمال الدراسة كلياً فيفشل في الإمتحانات النهائية .

هناك بالقطع موقف معارض لعملية ( عزل ) المتفوقين و الموهوبين عن أقرانهم من التلاميذ العاديين بحجة أن هذا العزل يؤدي إلى إنشاء نوع من ( الأرستقراطية ) القائمة على التمييز بين فئات المجتمع من التلاميذ و المربين , فنظام عزل المتفوقين في بيئات خاصة غير ديمقراطي لأن علمية التمييز بين الطفل الموهوب و المتفوق و الطفل العادي تتسبب في إحداث حالة من الكراهية بين التلاميذ و كذلك بين المعلمين الذين يقومون بتعليم كلا الفريقين .

و نجاح المنظومة التربوية يتطلب إحداث أكبر قدر من التعاون و المحبة بين التلاميذ و بعضهم و كذلك بين كافة المعملين الذين يدفعون عجلة هذه العملية .

أيضاً لا يجب إغفال أن التلميذ المتفوق لا يمكن أن يكون متفوقاً في جميع المواد و جميع المجالات , فقد يكون صاحب نبوغ في اللغات أو العلوم إلا أنه لا يكون بنفس القدر من الموهبة في الرسم أو التمثيل أو الرياضيات ... إلخ

أيضاً يشعر المتفوقين أكثر بقدراتهم و مواهبهم إن تم وضعهم في غرفة واحدة مع الأطفال العاديين , كما أنهم يصنعون حافزاً للأطفال العاديين لبذل مجهود أكبر إن كانوا متواجدين معاً في فصل واحد بخلاف إذا تم عزل المتفوقين في فصل واحد حيث تؤدي المنافسة الشديدة بينهم إلى الإرهاق و الكراهية و الحقد.

كذلك تحدث لهؤلاء الموهوبين و المتفوقين مشاكل في التكيف عندما يتم وضعهم في فصول دراسية أعلى من نظرائهم نتيجة لتفوقهم الذهني و هنا يجد الطالب المتفوق نفسه مع طلاب أكبر منه سناً و الذين يقابلونهم بالكراهية و عدم المودة و لا يرتاحون في التعامل معه , لأنه مجرد فكرة تواجده بينهم يظهر كم هم كسالى و متهاونين و لا يمتلكون عزيمة كافية ليتقدموا عن هذا الطفل المتفوق , و يزيد الحقد أكثر كلما قارنهم المعلم بهذا الطفل المتفوق و إعتبره نموذجاً يجب أن يحتذوه.

في أغلب الحالات لا يتم تخصيص أقسام أو فصول خاصة بالتلاميذ المتفوقين أو أصحاب الموهبة , و لأن المدرسة لكل الناس ! لذلك يجب عليها إستخدام برامج و أساليب تعليمية واحدة للجميع فهي تفترض أن كل الناس متساويين في قدراتهم الذهنية و لا داعي لإنشاء فصول لهؤلاء الطلبة المتميزين بل يبدو الأمر خطأ إن حدث نوع من الإهتمام بأي من الموهوبين أو النوابغ من التلاميذ الموجودين في صفوفها , لذلك لا يمكن الإعتماد عليها في مسألة العناية بموهبة الأطفال عن حدث إهمال من الأسرة .

و في كثير من الأحيان يستاء المعلمين من الأسئلة ( المحرجة ) التي يريد التلاميذ المتفوقين الإجابة عنها و يصل الأمر أحياناً أن يرد الأساتذة على هذه الأسئلة بإستخفاف و سخرية مع وصف التلميذ بصفات سيئة تدفع زملاءه أن ينظروا إليهم بإستهزاء , و هذا يسبب شعور هؤلاء الطلاب المتفوقين بالإحراج و الضيق و الإحباط كذلك نتيجة عدم إشباع رغبتهم في المعرفة و حب الإكتشاف.

و هذا السلوك السيئ من طرف المعلمين يدفع الطلاب الموهوبين و المتفوقين للرد عليها , بإهمال التعلم و الإستذكار و كذلك الإنزواء و الدخول في تصرفات سلوكية سيئة .

إن أفضل سلوك يجب أن يلتزم به أي مربي سواء من المعلمين أو الآباء أن يفهموا أن الإجابة عن الأسئلة التي يود الطالب أيا كان ( موهوب أو غير موهوب ) الحصول على المزيد من المعرفة فيها يسبب شعور بداخل الطفل أنه محبوب و لديه مكانة من جهة المربين و من جهة الآخرين بشكل عام .

و عندما يكتشف المعلم تفوق أو موهبة أحد تلامذته يمكنه و بدون أن يؤثر ذلك على مسار عمله التربوي الطبيعي أن يوجه هذا التلميذ أو غيره لقراءة بعض الكتب سواء في مكتبة المدرسة أو في المكتبات العامة تتناسب مع ميولهم و تضيف الكثير من المعلومات التي توسع من مداركهم .

أو يكلفهم بمشاهدة بعض عروض الفيديو التي يمكن أن تحسن مواهبهم , و إن كان هناك أنشطة فنية أو ثقافية تنظمها المدرسة فعليه دفع هؤلاء الطلاب للمشاركة فيها , و يمكن لمعلم أن يستخدم ذكاؤه في إتخاذ أي تدابير يمكن اللجوء إليها بهدف تنمية قدرات و مدارك تلاميذه المتفوقين و الموهوبين .

و على المعلم فهم أن الطفل النابغة أو الموهوب و الناشئ من فئات فقيرة مادياً و ثقافياً قد يشعر بحرج شديد من عطفه عليه , فعائلته و نظراً لتواضع مستواها الثقافي و العلمي لا تتفهمه و لا تتيح له أبسط حد من إمكانية التواصل يسمح له أن يعبر بحرية عن رغباه و أفكاره.

 إن وجد هذا الطالب في معلميه بالمدرسة العطف و التفهم لرغباته و ميوله سوف يشعر بمشاعر متضاربة , فإما أن يختار طريق عائلته و هذا يعني تخليه عن موهبته أو أي قدرة متميزة يحوزها أو أن يختار طريق المعلمين لتطوير تفوقه و هذا الإبتعاد عن طريق أبويه يعزز لديه شعوراً بالذنب و تأنيب الضمير.

ثالثاً : كيفية تعامل المجتمع مع الموهوبين
إن القدرات العقلية لأي مجتمع إنساني تتوزع وفق كيفية معينة , حيث تتواجد نسبة بسيطة من محدودي الدخل مع أكثرية من متوسطي الذكاء و أخيراً نسبة بسيطة جداً من أصحاب الذكاء الفائق, ونتيجة للتحسن المتزايد في اسلوب الحياة و إرتفاع مستوى طموح الناس و تزايد إقبال المجتمعات على الإعتراف بحقوق الإنسان و بخاصة الإعتراف بالحق في التعليم , كل هذا سبب زيادة في إحتمالات ظهور الموهوبين و المتفوقين في مختلف المجتمعات و بخاصة تلك المجتمعات التي تحاول توفير نوع من العدالة الإجتماعية لكافة أفرادها .

لكن المشكلة التي تواجه هذه المجتمعات أنها في الوقت الذي تبذل فيه جهوداً كبيرة في مجال التعليم لكنها تعجز عن الإستفادة من الكفاءات التي ينتجها نظام التعليم الذي تموله.

و هذا يمثل إهداراً ضخماً لكل الجهود المادية و البشرية التي قدمتها هذه الدول , كما أن هذه ( الكفاءات ) بدلاً من أن تسهم في تقدم و رخاء مجتمعاتها التي تحملت الكثير من أجل إنشائها و تعليمها , تجد نفسها ( عالة ) على المجتمع بل و أحياناً تمثل فئة ( غير مرغوب فيها ) .

لا يمكن للمجتمع المعاصر أن يحد من التعليم كنوع من الحل لهذه الأزمة فهو أحد الحقوق الإنسانية الراسخة , و الأفضل له وضع خطط و إستراتيجيات تكتشف و تستوعب كافة الكفاءات و تقوم بتوظيفها بشكل يسمح لها بالمساهمة و الإشتراك في تطوير كافة قطاعات المجتمع و بهذا الأسلوب تصبح مسألة رعاية و توظيف المواهب إستثماراً ذو فائدة شديدة على الصعيدين المادي و البشري.

Comments

Popular posts from this blog

كيف تستخدم الألوان في التعلم و اللإستذكار

آينشتاين و سر ذكاؤه الرهيب

مرض عمى تعرف الوجوه و كيفية علاجه